البث المباشر الراديو 9090
د. سهى علي رجب
ليست الهوية الوطنية مجرد اسم نكتبه في خانة الجنسية، ولا علما نرفعه في المناسبات، ولا تاريخا نضعه في الكتب ونغلق عليها الأبواب، وإنما هي الذاكرة التي تسكن الوجدان، واللغة والثقافة والقيم التي تشكل شخصية المجتمع، والشعور العميق بالانتماء إلى وطن له جذور ضاربة في أعماق التاريخ.

من هنا تأتي أهمية مؤتمر "الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة"، الذي تستضيفه مكتبة الإسكندرية خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمشاركة وزارات ومؤسسات الدولة ونخبة من المفكرين والأكاديميين والكتاب والفنانين، إلى جانب نحو 450 شابا وفتاة يمثلون المحافظات المصرية المختلفة.

أهمية المؤتمر، في تقديري، أنه يفتح ملف الهوية الوطنية في لحظة شديدة الحساسية، لم تعد فيها معركة الوعي تدور فقط داخل المدرسة أو الجامعة أو الأسرة، وإنما امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث تتدفق المعلومات والأفكار والصور على مدار الساعة، وتتنافس الروايات على تشكيل وعي الأجيال الجديدة.

ولذلك جاءت محاور المؤتمر واسعة، من واقع الهوية المصرية والخطاب الثقافي، إلى تأثير الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي، مرورًا بالفن والتراث والتعليم والأسرة والمجتمع المدني، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية، وصولا إلى قضية الذاكرة الجمعية والثقة العمومية والتشاركية الاجتماعية.

واللافت أن المؤتمر لا يتعامل مع الهوية باعتبارها ماضيا محفوظا، وإنما باعتبارها مشروعا مستمرا، فمصر التي حافظت على شخصيتها عبر آلاف السنين ليست مطالبة بالانغلاق على ذاتها، وإنما بأن تدخل المستقبل وهي تعرف من أين جاءت، وما الذي تريد أن تكون عليه.

وهنا تحديدا تتأكد قيمة مكتبة الإسكندرية.. فالمكتبة ليست مجرد مبنى للكتب أو قاعة للمؤتمرات، وإنما مساحة مصرية واسعة للحوار والمعرفة، تستطيع أن تجمع تحت سقف واحد الباحث والمفكر والشاب والفنان والإعلامي، وأن تحول قضية الهوية من شعار عام إلى موضوع للبحث والنقاش وإنتاج الأفكار.

وإذا كان المؤتمر ينتهي بتوصيات ووثيقة للهوية الوطنية، فإن الأهم أن تتحول هذه المخرجات إلى معرفة متاحة، وحوار ممتد، ومبادرات تصل إلى المدارس والجامعات ومراكز الشباب والمؤسسات الثقافية.

فالهوية لا تُفرض على الأجيال الجديدة، وإنما تُبنى بالمعرفة، وتترسخ بالوعي، وتصبح أكثر قوة حين يشعر المصري أن تاريخ وطنه وثقافته ومستقبله ليست أشياء منفصلة عنه، بل جزء من قصته الشخصية.

مصر تملك جذورا لا تحتاج إلى اختراعها.. لكنها تحتاج دائما إلى أن تحكيها للأجيال الجديدة، بلغة العصر، وبوعي المستقبل.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز