د. سهى علي رجب
منذ أن عرفت الجماعة طريقها إلى المجال العام، لم تتورع عن صناعة الروايات وترويج الشائعات، ثم إعادة تدويرها حتى تتحول الأكذوبة إلى ما يشبه الحقيقة في أذهان من لا يملكون وقتا أو رغبة في التحقق.. وحين تفشل الحجة، يحضر التشويه، وحين يغيب الدليل، تحضر الشتيمة، وحين تعجز الجماعة عن مواجهة خصومها فكريا، تبدأ معركة اغتيال السمعة.
ولأن مصر ليست دولة بلا ذاكرة، فقد أدركت الجماعة أن أخطر ما يواجه مشروعها المغلق هو القوة الناعمة المصرية، الكاتب الذي يفتح نافذة للمعرفة، والفنان الذي يصنع وجدانا، والمثقف الذي يحرس العقل، والأغنية التي تحفظ ذاكرة وطن، والسينما التي تسجل حياة المصريين.
لذلك لم يكن الهجوم على الفنانين والكتاب والمثقفين مصادفة، بل جزءا من صدام أوسع مع ثقافة مصرية عريقة تقوم على التنوع والاختلاف وحرية الإبداع.. وقد شهد عام حكم الجماعة تصاعد المواجهة مع المثقفين، وصولا إلى اعتصام وزارة الثقافة، الذي تحول إلى واحدة من العلامات البارزة في الحراك الذي سبق 30 يونيو.
واللافت أن قاموس الجماعة في معركتها مع القوة الناعمة واحد.. التخوين، والتكفير المعنوي، والاتهام بالفساد والانحلال، ونشر القوائم السوداء، وتصيد المواقف، واقتطاع التصريحات من سياقها، ثم إطلاق الشائعة لتسبق الحقيقة. وقد وثقت مصادر صحفية وقائع متعددة من هذا الصدام، شملت حملات على فنانين ورموز ثقافية ومحاولات فرض وصاية أيديولوجية على المجال الإبداعي.
هم لا يريدون فنانا حرا، لأن الفنان الحر يسأل، ولا يريدون كاتبا مستقلا، لأن الكاتب المستقل يكشف، ولا يريدون مثقفا نقديا، لأن المثقف يضع الأفكار تحت المجهر.. إنها معركة على العقل قبل أن تكون معركة على الفن.
ومن هنا، فإن مواجهة أكاذيب الإخوان ليست مجرد تصحيح لشائعة هنا أو تفنيد لفيديو مفبرك هناك، إنها دفاع عن الوعي المصري ذاته، وعن ذاكرة وطن صاغها كتابه وفنانوه ومثقفوه عبر عقود.
القوة الناعمة المصرية ليست ترفا يمكن الاستغناء عنه، بل أحد أسلحة مصر في معركة الوعي. ولهذا ستظل في مرمى الإخوان.. وسيظل الدفاع عنها واجبا وطنيا.