البث المباشر الراديو 9090
د. سهى علي رجب
في التاريخ لحظات لا تُقاس بما وقع فيها من أحداث، وإنما بما تركته من آثار ممتدة في وجدان الشعوب.

ومن بين تلك اللحظات، تبقى ثورة 23 يوليو 1952 واحدة من أكثر المحطات تأثيرا في التاريخ المصري الحديث، ليس لأنها غيرت نظاما سياسيا فحسب، بل لأنها دشنت مشروعا وطنيا متكاملا لإعادة بناء الدولة المصرية، ورسخت مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، وأطلقت واحدة من أهم موجات القوة الناعمة التي عرفها العالم العربي وإفريقيا.

كانت مصر قبل يوليو تعيش تناقضا واضحا، دولة ذات تاريخ عريق، لكنها تعاني احتلالا أجنبيا، ونظاما سياسيا عاجزا عن تحقيق طموحات شعبها، وفوارق اجتماعية حادة، واقتصادا لا يعكس إمكاناتها.. فجاءت الثورة لتطرح سؤالا أكبر من تغيير السلطة.."كيف تُبنى دولة مستقلة تمتلك قرارها الوطني، وتعيد صياغة علاقتها بمواطنيها وبمحيطها الإقليمي والدولي؟"..

من هنا يمكن النظر إلى يوليو باعتبارها اللبنة الأولى في مشروع الدولة الوطنية المصرية بصورتها الحديثة، فقد أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ورسخت فكرة أن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا بالاستقلال الاقتصادي، وأن العدالة الاجتماعية ليست شعارا، بل شرط من شروط الاستقرار الوطني، وأن التعليم والصحة والثقافة أدوات لبناء الإنسان، لا خدمات هامشية تقدمها الدولة.

لكن الإنجاز الذي ربما لا يحظى بالقدر نفسه من الاهتمام، هو أن يوليو أدركت مبكرا أن النفوذ لا يُصنع بالقوة العسكرية وحدها، وإنما تصنعه أيضا الثقافة والفن والتعليم والإعلام، وهكذا ولدت واحدة من أكثر تجارب القوة الناعمة تأثيرا في القرن العشرين.

في تلك السنوات، لم تكن القاهرة عاصمة السياسة العربية فقط، بل كانت أيضا عاصمة الثقافة والفكر والفن. من استديوهات السينما خرجت الأفلام التي شاهدها ملايين العرب، ومن إذاعة "صوت العرب" خرج الخطاب الذي عبر الحدود، ومن المسارح ودور النشر والجامعات انطلقت موجة ثقافية جعلت من مصر مرجعًا للعالم العربي والإفريقي.

وفي زمن يوليو، بلغت السينما المصرية ذروة ازدهارها، وواصلت أغنيات أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وشادية الانتشار في كل بيت عربي، بينما قدم الأدب المصري أسماء خالدة مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وثروت أباظة وعبد الرحمن الشرقاوي، وازدهرت حركة الترجمة والنشر، واتسعت الجامعات، وأصبحت البعثات التعليمية المصرية جزءًا من الحضور المصري في إفريقيا وآسيا.

ولم يكن هذا التأثير الثقافي منفصلا عن المشروع الوطني، بل كان أحد أعمدته.. فقد أدركت الدولة أن الثقافة ليست ترفا، وإنما قوة قادرة على ترسيخ الهوية الوطنية، وبناء الوعي، وتعزيز مكانة مصر خارج حدودها، لذلك شهدت تلك المرحلة توسعا في إنشاء المؤسسات الثقافية، والمسارح، وقصور الثقافة، والفرق الفنية، ودعم الإنتاج السينمائي والموسيقي، لتصبح الثقافة إحدى أدوات السياسة الخارجية المصرية.

كما امتدت القوة الناعمة إلى التعليم، حين استقبلت الجامعات المصرية آلاف الطلاب العرب والأفارقة، الذين عاد كثير منهم إلى بلدانهم قادة ووزراء وأساتذة جامعات، حاملين معهم تجربة مصر وثقافتها ولغتها. وكانت البعثات الأزهرية، إلى جانب المؤسسات التعليمية والثقافية، أحد الجسور التي ربطت مصر بعمقها العربي والإفريقي.

ولا يعني ذلك أن تجربة يوليو كانت خالية من التحديات أو الأخطاء؛ فكل التجارب الإنسانية تخضع للنقد والمراجعة، لكن القراءة المنصفة تقتضي التمييز بين تقييم السياسات، وبين إدراك الأثر التاريخي للمشروع الوطني الذي أطلقته الثورة. فقد أسهمت في تثبيت فكرة الدولة الوطنية المستقلة، ورسخت حضور مصر الإقليمي، وجعلت من الثقافة المصرية لغة مشتركة بين شعوب المنطقة لعقود طويلة.

واليوم، وبعد مرور أربعة وسبعين عاما على الثورة، تبدو الحاجة ملحة لاستلهام أحد أهم دروسها: أن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من أدوات الردع وحدها، وإنما بما تملكه من قدرة على الإقناع والإبداع والتأثير. فالفنان، والكاتب، والباحث، والمعلم، والجامعة، والكتاب، والفيلم، والأغنية.. جميعها أدوات لا تقل أهمية عن أي عنصر من عناصر القوة الشاملة.

لقد أثبتت التجربة المصرية أن الدولة الوطنية القوية تحتاج إلى اقتصاد متماسك، ومؤسسات راسخة، وجيش قادر، لكنها تحتاج كذلك إلى ثقافة حية، وفنون مبدعة، وإعلام مسؤول، وتعليم يفتح آفاق المستقبل.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز