د. سهى علي رجب
أين ذهبت تلك الأيام؟ سؤال يتكرر كثيرا، وكأننا نتوقع أن يخرج أحدهم ليقول لنا.. اطمئنوا، لم تذهب بعيدا، إنها ما زالت هناك، في شارع قديم، أو أمام شاشة تلفزيون، أو في أغنية سمعناها عشرات المرات ولم نملّها.
نحن لا نكتفي بسماع أغنياتنا القديمة، بل نعود إليها كما يعود المسافر إلى بيته الأول.. نسمعها فنستعيد وجوها وأماكن ومشاعر كنا نظن أننا نسيناها.. نشاهد مسلسلا قديما، فنشعر أن الزمن توقف قليلا، وأننا عدنا إلى مقعدنا القديم في غرفة المعيشة، ننتظر الحلقة التالية، قبل أن تصبح الحياة أكثر تعقيدا، وقبل أن تتكاثر المسؤوليات وتضيق مساحات الدهشة.
والأغرب أننا لا نتحرج من العودة حتى إلى طفولتنا كاملة، نشاهد «توم وجيري»، ونبتسم كما كنا نفعل ونحن أطفال، ونستعيد «مازنجر» وكأنه لم يكن مجرد كرتون، بل جزء من تكوين جيل كان ينتظر موعده أمام الشاشة كما ينتظر العيد.. لم تكن تلك الأشياء عظيمة بالمعنى الذي نتحدث عنه اليوم، لكنها كانت عظيمة بالنسبة إلينا، لأنها ارتبطت بزمن كانت فيه الحياة أبسط، والأحلام أكثر اتساعا، والفرح أقل تكلفة.
ربما لهذا نشعر دائما أننا «عجزنا».. ليس لأن العمر عجز، ولا لأننا لم نعد قادرين على مواصلة الحياة، وإنما لأننا نفتقد النسخة القديمة من أنفسنا، ذلك الإنسان الذي كان يملك وقتا أطول، وقلبا أخف، وأحلاما لم تلوثها الحسابات.
نحن لا نريد أن نعود إلى الماضي لأنه كان كاملا، فهو لم يكن كذلك قطعا.. نحن نعود إليه لأننا كنا هناك.. كنا أصغر، وأخف، وأكثر قدرة على الفرح.
ربما لم تمر الأيام سريعا كما نظن، وربما نحن الذين كنا مشغولين جدا بالحياة فلم ننتبه إليها وهي تمر، وبينما كنا نؤجل أشياء كثيرة إلى «بعدين»، اكتشفنا أن «بعدين» جاء.. ثم جاء بعده «بعدين» آخر، حتى أصبح الماضي هو المكان الوحيد الذي نستطيع أن نزوره متى أردنا.
ومع ذلك، لسنا عاجزين.. نحن فقط جيل يحمل عمرين.. عمرا نعيشه الآن، وعمرا آخر لا يزال حيا في أغنية قديمة، ومسلسل قديم، ولقطة من «توم وجيري».. ينتظر منا أن نبتسم.