البث المباشر الراديو 9090
د. سهى علي رجب
ما زلت أتذكر، بعد سنوات طويلة، أجواء مؤتمر "حوار الموت والحياة: رؤى من مصر"، الذي حضرت جلساته على مدار يومين في أكتوبر 2009، بين المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة ومكتبة الإسكندرية.. كان عنوان المؤتمر كافيا لفتح باب واسع للتأمل.. كيف نتحدث عن الموت دون أن نخاف منه؟ وكيف نفهمه دون أن نستسلم له؟ وكيف يصبح احترام الموت جزءا من احترام الحياة ذاتها؟

ربما نخطئ حين نعتقد أن ثقافة الموت تعني عشق الموت أو الاحتفاء به، العكس هو الصحيح، ثقافة الموت، في معناها الإنساني النبيل، هي أن ندرك حقيقته، ونحترم حرمته، ونتعامل مع الراحلين بما يليق بإنسانيتهم، دون ابتذال أو استعراض أو تحويل الموت إلى مادة للفرجة.

الموت ليس خبرا عابرا، ولا صورة تُلتقط، ولا مشهدا يتداول على الهواتف.. وراء كل جثمان حكاية إنسان، ووراء كل جنازة بيت فقد عزيزا، ووراء كل قبر عمر كامل كان يوما يمشي بيننا.

ولعل أخطر ما أصاب علاقتنا بالموت أننا، في زمن الصورة السريعة، فقدنا شيئا من رهبة المشهد وحرمة الغياب، أصبحنا أحيانا نصور الموتى بدل أن نترحم عليهم، ونتسابق إلى نشر لحظات الفقد بدل أن نترك لأهل الميت حقهم الطبيعي في الحزن.

احترام الموت لا يعني الخوف منه، فالخوف المرضي من الموت قد يفسد علينا الحياة، بينما استيعاب حقيقته يجعلنا أكثر حرصًا على أن نحيا حياة تستحق أن تُعاش.

الموت، في النهاية، أحد أكثر الأشياء عدلا في هذا العالم، لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين مشهور ومغمور، لكنه في الوقت نفسه، يذكرنا بقيمة الوقت، وبأن الإنسان لا يملك سوى أثره الطيب وما يتركه خلفه من محبة وذكرى.

من هنا، ربما نحتاج إلى استعادة ثقافة احترام الموت لا ثقافة الخوف منه.. أن نخفض أصواتنا أمام المقابر، وأن نصون حرمة الجنازات، وأن نترك للراحلين سترهم، وللأحياء حزنهم، وأن نتعلم كيف نقول للميت وداعا بكرامة.

في مؤتمر "حوار الموت والحياة" قبل سبعة عشر عاما، كان السؤال عن الموت يقود، إلى سؤال أكبر عن الحياة.

ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في مواجهة الموت، ألا يرتعد منه، وإنما أن يجعل حياته جديرة بأن تُذكر بعده.

فالموت نهاية العمر.. لكنه ليس نهاية الأثر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز