البث المباشر الراديو 9090
داليا الحديدي
درست في مدرستي نصًا للكاتب الفرنسي «غي دو موباسان» بعنوان «الجريمة المجانية»، وتروي القصة رغبة عارمة لدى شاب في ارتكاب جريمة تعرض حياة المسافرين للخطر. وقد شُرح لنا النص على أن البعض قد يقترف الخطأ بلا دافع سوى محض النزوة.

لكن كلما أعدت قراءة النص، بدا لي أن عنوان القصة «فعل مجاني» يلفت الانتباه إلى معنى أعمق؛ فربما أراد الكاتب أن ينبه إلى أن أكبر مشجع على ارتكاب الجرائم هو إدراك المرء أنه آمن ومفلت من العقوبة، وأنه لن يدفع ثمنًا لجرائمه. فمن أمن العقوبة اقترف المزيد من الشناعات. ومن هنا تصبح حقوق الإنسان مرتبطة أيضًا برفع وعي الفرد بأن التسامح في غير موضعه قد يشجع على ارتكاب المزيد من الجرائم.

وللتوضيح، فكثيرًا ما نقرأ روايات ملفقة تسرق جناحًا من الحقيقة لتدسه مع صدر من الزيف، ثم تصدرهما إلى عقول الناس باعتبارهما حقيقة مكتملة. فلطالما قرأنا في الصحف أن «نجيب محفوظ» سُمّي على اسم طبيب قبطي، عقب ولادته المتعثرة.

لاحقًا، سمعت تسجيلًا إذاعيًا لـ«محفوظ» أكد خلاله أنه لا يعرف على وجه الدقة حقيقة سبب اختيار اسمه، ثم ذكر روايتين؛ إحداهما تقول إن الأسرة أرسلت خادمًا لتسجيل الاسم المركب، وكان «محفوظ نجيب»، فالتبس الأمر على الخادم وسجله «نجيب محفوظ»، لا «محفوظ نجيب».

ثم ذكر الرواية الأخرى، التي تقول إن عائلته أطلقت عليه اسم الطبيب المسيحي، لكنه لم يجزم بأي الروايتين أصح.

لكن لأن الصحفي يحتاج أحيانًا إلى قصص درامية عامرة بالمفارقات، نشهد عمليات انتقاء لرواية معينة وحذف أخرى، وتقديم الأولى باعتبارها حقيقة مسلّمًا بها، فقط لأنها أشد إشباعًا لنهم القارئ إلى المثير، حتى لو كان ملفقًا.

فمحفوظ نفسه لم يرجح أيًا من الروايتين، لكن الصحفي الذي سيحصد متابعات أكثر من نشر نص عامر بالنكهات الحارة، والذي لن يدفع ثمنًا لتزييف الحقيقة، قد ينحاز إلى الزيف ويمحو ظل الحقيقة باطمئنان بالغ، ليبتلع القارئ القصة المزيفة باعتبارها «أم الحقائق».

والأدهى أنه يروج لها وكأنه ضليع بعلم أنساب الأدباء وتفاصيل حياتهم، حتى يجد المتلقي نفسه في المستقبل محرجًا من الاعتراف بأنه تداول الزيف وروّج له. فيؤثر السلامة، ويتمسك بقصة غير دقيقة أو كاذبة بدلًا من العدول عنها، خشية أن يتعرض صورته للتشويه العلني، فتضيع الحقيقة لأن أحدًا لم يدفع ثمن نشر معلومة غير دقيقة.

وللتدليل، أذكر واقعة متداولة كالنار في الهشيم عن فنانة فاضلة لا تزال على قيد الحياة، ومع ذلك يصر كثير من الصحفيين على تشويه سمعتها، بالترويج لرواية تزعم أنها خانت شاعرًا كبيرًا مع كاتب آخر.

فعلى مدى عقود، نُشرت القصة المختلقة بتأكيدات يتداولها العوام بثبات عنيف، ويتشدقون بأن الفنانة كانت خائنة، وأنها فضّلت الكاتب لأنه وسيم، بينما رفضت الشاعر السمين لدمامته!

إصرار عنيف على هتك الأعراض والتغول في الإهانة، فقط لأن أصحاب هذه الروايات يشعرون أنهم في مأمن من دفع ثمن هذا التغول. فما أسهل أن يجلس فلان مع علان على المساطب للنهش في أعراض الناس، وكأن الفنانة ليست صاحبة الحق في أن تفضل من تشاء، ثم إنها لم تكن متزوجة من الشاعر حتى «تخونه». فأي خيانة تلك التي يروجون لها؟

الأرجح أن التشهير يتم في طمأنينة كاملة، لأن المروّج يعلم أنه يقترف «جريمة مجانية»، لا عواقب لها، ولن يدفع ثمنًا لها.

على أنني لا ألقي اللوم على الصحفي فحسب؛ فالرغبة في تصديق الأكاذيب قد تكون أحيانًا أقوى من الرغبة في اختلاقها. فالسماعون للكذب أكثر عددًا من الناطقين بالمهاترات، كما أنه يصعب على الفرد أن يشعر بتورطه في الجريمة لمجرد أنه أعار أذنه للأكاذيب.

بل لربما يشعر المرء، من باب الذوق، أنه قد يعرّض المتحدث للحرج إذا صده عن ادعاءاته، فيلتزم الصمت، الأمر الذي يفاقم من شلالات تداول الأكاذيب.

وقد يجد المرء نفسه مشوشًا أمام تواتر القصص الملفقة على مسامعه، فيؤثر الصمت طلبًا للسلامة، معتقدًا أن تلك الفرية تصيب سواه، أما هو فسيظل ناجيًا منها.

متناسيًا أن الحياة ديون؛ فإذا تركت زميلًا لك في الإنسانية عرضة لمهب الإهانات المجانية، فثق أن دورك آتٍ، آتٍ، ولو بعد حين.

فالمجرم المطمئن ليس فقط من يرتكب الجريمة؛ بل أيضًا من يعرف أنه لن يدفع ثمنها. وحين تصبح الأكذوبة بلا ثمن، يصبح تداولها أسهل من مقاومتها، ويصبح الصمت شريكًا في الجريمة، ولو لم ينطق صاحبه بكلمة واحدة.

وهنا لا تعود القضية مجرد كذبة قيلت، وإنما حقيقة أُهدرت، وإنسان شُوّه، ومجتمع اعتاد أن يمرر الإهانة ما دام ثمنها مؤجلًا أو غائبًا.

ولعل أخطر ما في «الجريمة المجانية» أنها لا تبقى مجانية إلى الأبد؛ فثمنها قد لا يدفعه مرتكبها، لكنه يدفعه شخص آخر، أو تدفعه الحقيقة، أو يدفعه المجتمع كله.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز