د. سهى علي رجب
من "فتاة أوبر"ووما أحاط بواقعتها من جدل واسع، إلى فتاة الصلاة في المطاعم، وما تبع ذلك من لغط شديد على مواقع التواصل، وصولا إلى وقائع أخرى تتوالى يوما بعد يوم، لا أريد أن أحاكم أشخاصا أو أفتش في النيات، فلكل واقعة تفاصيلها، وللجهات المختصة وحدها حق إصدار الأحكام.
لكنني أتوقف أمام الظاهرة نفسها، متى أصبح التريند أهم من القيم؟ومتى صار إثارة الجدل إنجازا، ومخالفة المألوف بطولة، وتحويل الحياة الخاصة إلى مشهد عام طريقا مختصرا إلى الشهرة؟ الشهرة ليست عيبا، والمرأة المصرية لم تكن يوما بعيدة عن الأضواء.. لدينا نماذج عظيمة من النساء اللاتي حققن حضورا لافتا بالعلم والعمل والإبداع والكفاءة.. لكن الفارق كبير بين شهرة تأتي نتيجة إنجاز، وشهرة تُصنع عمدًا من الضجيج.
المشكلة أن بعض مستخدمي مواقع التواصل باتوا يتعاملون مع عدد المشاهدات وكأنه شهادة قيمة، وكأن ملايين العيون التي تتابعك تعني بالضرورة أنك تستحقين الإعجاب.
وهنا أستعيد كلمة مصرية أحبها كثيرا.. "هانم".. "الهانم" ليست لقبا اجتماعيا، ولا تعني الغنى أو الوجاهة.. الهانم في الوجدان المصري هي المرأة التي تعرف قدر نفسها، وتحترم المكان الذي توجد فيه، وتزن كلماتها وتصرفاتها، وتجمع بين القوة والحياء، وبين الحرية والمسؤولية.
الهانم ليست ضعيفة، وليست ممنوعة من الضحك أو التعبير أو الاختلاف، لكنها تعرف أن لكل مقام مقالا، وأن الحرية لا تعني أن نفعل كل ما نستطيع، وإنما أن نعرف ما ينبغي أن نفعله.
والدين لا ينتقص من المرأة ولا يحجب عنها حقها في النجاح والحضور، لكنه يضع للأخلاق والحياء والكرامة مكانتها، وكذلك العرف المصري الأصيل ظل ينظر إلى المرأة بوصفها قيمة ومقاما، لا مادة للفرجة والاستهلاك الرقمي.
أما التريند، فمصيره إلى الزوال، قد يلمع اسم اليوم، وينساه الناس غدًا، لكن ما تفعله المرأة في لحظة بحثها عن الشهرة قد يظل عالقا في ذاكرتها وذاكرة الآخرين سنوات طويلة.
لذلك أقول لكل فتاة وسيدة.. لا تمنحي "التريند" ما لا يستحقه من كرامتك.. حوني حرة، قوية، ناجحة، جريئة في الحق، وصاحبة حضور ورأي.. لكن احتفظي دائما بالرقي.
فالتريند عابر، والشهرة مؤقتة، أما الاحترام.. فذلك هو الذي يبقى.
يا هانم.. خليكِ هانم.