حسن عبدالموجود
وكان مدهشًا أنه فى الوقت الذى خرج فيه إبراهيم المعلم ليرد بشكل هادئ، كان بعض المثقفين يخلعون فانلاتهم الداخلية، ويقفون فى عرض الشارع، كأنهم فى حرب شوارع.
الفئة الأبرز من الرافضين للبيان، الفئة التى صنعت الصخب، مالت إلى التخوين، والتسفيه، وتركت القضية الأساسية. وصمت الموقِّعين بالفاشية والكذب والادعاء، وهى تُهم لا تستحق مجرد الرد عليها، لأنها صادرة فى الأساس من جماعات ودوائر المصالح التى تدور فى فلك "الشروق".
روائيون وصحفيون وكتاب، يستفيدون بكثير من الأشكال من ذلك الدفاع المستميت عن الدار، لا عن نجيب محفوظ نفسه. ليس المجال هنا لتخوين بالمقابل، لكنه واقع شديد الوضوح بالنظر إلى الأسماء التى كتبت ضد البيان بتلك اللهجة.
بعض هؤلاء الرافضين حاولوا إضفاء بُعد ما على انتقاداتهم، مؤكدين أنه كان يجدر بالموقّعين على البيان أن يقدموا اقتراحات بتدريس محفوظ فى المدارس، أو الاحتفاء به طوال العام وغيرها، وكلها اقتراحات قديمة، أفترض أن من يطرحها لم يقرأ على مدار سنوات مقالات وتحقيقات وحوارات طالبنا بها وبأكثر منها.
ليست هذه قضيتنا الآن ولن نختلف فيها، لكنها فقط تشير إلى أن بعض المثقفين يقومون بدور "فريكيكو"، العليم بكل شىء، والقادر على تقديم ما يعجز عنه الآخرون، فى الوقت الذى لا يفعل فيه شيئًا سوى إثارة التراب بـ"الدبدبة" على الأرض.
هناك مجموعة أخرى من المثقفين، وهى صاحبة الصوت الهادئ، طرحت أسئلة خاصة بحقوق الورثة، وبحقوق الدار، مع أن هذا البيان، باعترافهم، لم يكن المحاولة الأولى لإجبار الدار على تغيير سياستها فى التعامل مع تراث نجيب محفوظ، وغيره من الكتّاب، حيث لم تهتم لسنوات سوى بطباعة الأعمال الشهيرة، ولم تلتفت إلى المجموعات القصصية على سبيل المثال، والمؤكد أنه لا يرضى أحد أبدًا بإهدار حقوق الورثة، أو حقوق الدار نفسها، ولكن نجيب محفوظ أكبر من احتكاره عن طريق دار واحدة، أكبر من أن يظل حبيسًا فى أرفف مكتبة وحيدة، والتدخل هدفه إتاحتها لقطاع كبير من الجمهور بعد أن صار اقتناؤها حٍكرًا على مَنْ لديهم المقدرة المالية.
المجموعة الثالثة الصامتة، كانت لدى بعضها الرغبة الحقيقية فى الفهم، والابتعاد عن وحل المعارك الثقافية، بينما شارك بعضها الآخر مع أصحاب الصوت العالى، دون أن يظهروا فى الصورة، فى ممارسة نوع من الإرهاب على الموقِّعين بمحاولة إثنائهم عن مواقفهم، بتخوينهم، والتشكيك فى نيتهم، أو بالإيحاء بأن هناك من يحركهم.
كلام كذلك لا يستحق الرد، ويعبِّر أكثر ما يعبِّر عن الوجه القبيح لبعض المثقفين، الذين لديهم استعداد لاغتيال مخالفيهم فى الرأى. نحن نتحدث عن الحفاظ على نجيب محفوظ، فلماذا تلك الكراهية، ولماذا تلك البذاءة؟
لا تحركنا دوافع سوى اسم نجيب محفوظ، ولسنا مع تجاوز حقوق ورثته، ولكنهم يجب أن ينتبهوا إلى أن اسم نجيب محفوظ أكبر من أى دار، وأن مبلغ المليون جنيه الذى دفعته الدار فى البدايات لصاحب نوبل صار تافهًا، صار تافهًا حتى إذا تعلق الأمر بحصول إحدى مؤسسات وزارة الثقافة على حقوق نشر محفوظ، ولنتذكر أن الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى حصل على مبلغ ضخم نظير طبع أعماله، من إحدى هيئات الوزارة.
التخوفات من سوابق مؤسسات وزارة الثقافة السيئة مع النشر يجب أن توضع فى الحسبان بكل تأكيد، لكن الصمت على حجب بعض أعمال محفوظ هو فى حد ذاته جريمة، وأيضًا الرضا بأن يكون أديب نوبل فى قبضة شخص واحد هو جريمة أخرى، لأنه يخص كل المصريين، ولن يصل إليهم إلا من خلال طبعات شعبية تصل إلى القاصى والدانى فى الجمهورية.