البث المباشر الراديو 9090
حسن عبدالموجود
الكراهية أثقلت قلب ديك تشينى، السياسى الأمريكى الغامض، وأتلفته، وفى اللحظة التى أعلن فيها الأطباء عدم وجود متبرع، مفضِّلين نزع الأجهزة الطبية عن جسده، يتدخل القدر كالعادة، ليمنحه قلبًا جديدًا، طيبًا تلك المرة، ربما، ولكن تشينى، مع هذا، لم يتطهر، ولوثت روحه السوداء ذلك القلب الجديد.

هل أراد فيلم "vice" أن يقول هذا؟ الفيلم يقول أكثر من هذا عن الشخص الذى اتخذ قرارات بقتل آلاف الأبرياء فى العراق وغيره.

الفيلم الجميل والصادق يخبرنا كذلك عن الطريقة التى يتصرف بها شخص متوسط الموهبة "مديوكر"، بتعبير الراوى نفسه، حين يجد نفسه فى السلطة.

كان تشينى "كريستيان بيل" يعانى من ثغرة خطيرة، أن ابنته مارى "تحب الفتيات"، وكان يعرف أنه لو ترشح للرئاسة فسيقوم خصومه بطعنه، والإنهاء عليه ببساطة، ثم إن كل الاستطلاعات أظهرت أنه شخص غير محبوب، ولهذا كان يسلك أبعد اتجاه عن الضوء، آمن أنه مخلوق للظل، ومن هناك أدار العالم، بدون أن يعرف حقيقته أحد.

بعد فترة من عدم الاتزان جاءه العرض من دبليو بوش ليكون نائبه، غير أنه اشترط كثيرًا من الصلاحيات التى لا يوفرها منصب نائب الرئيس الأمريكى، وقبِل بوش، غير أن تشينى احتاج إلى جيش من شياطين القوانين، الذين أقنعوه بنظرية "السلطة التنفيذية الأحادية"، وبموجبها بدا كما لو أن تشينى يثقب ماسورة القانون لتصب فى أوعيته وتمنحه قوة كبرى، قوة اتخاذ قرارات تتحكم بمصائر ملايين البشر.

وقد جاء الوقت ليرد تشينى الجميل إلى دونالد رامسفيلد، الرجل العنيف، الحاد كمشرط، واستطاع الاثنان بصحبة آخرين تكوين لوبى مخيف داخل الإدارة الأمريكية، لوبى يقطع الطريق حتى على بعض التقارير قبل أن تصل إلى مكتب بوش الابن، المندفع، الغاضب، والمجنون، ولم يستطع وزير الخارجية كولن باول، أن يقف فى وجه إعصار الانتقام، الذى قاده تشينى، بعد أحداث 11 سبتمبر، قاده رغم أنه لم يكن هناك عدو واضح.

كان رامسفيلد ضد إهدار صواريخ بملايين الدولارات على كهوف أفغانستان، ولهذا تم التعجيل باعتبار العراق العدو، ممثلة فى رئيسه صدام حسين، حاول كولن باول كثيرًا أن يصد هذا التيار، لكنه هو نفسه من ذهب إلى الأمم المتحدة ليضفى مشروعية على ضرب العراق، واصفًا تلك اللحظات بأنها "الأكثر إيلامًا طوال مسيرته"، فلماذا لم ينسحب من المنصب لينصفه التاريخ؟

هذا الفيلم يسخر من كل شىء، يصور ديك تشينى فى لحظات سعادته وهو مع ابنتيه مارى وليز وزوجته القوية "إيمى آدمز"، وفى المنتصف تقريبًا وبعد نزول "التتر" نفاجأ بأنها ليست النهاية، وأن هناك قصة أخرى، قصة عن الكيفية التى يتآمر بها تشينى ورامسفيلد على الأمريكان أنفسهم، حيث تجسسا على مكالماتهم، وصدرا لهم الفزع من هجمات إرهابية محتملة، ومن جمرات خبيثة، إلخ، حتى صدق الأمريكيون أن عدوهم هناك فى العراق..

لم يقتل تشينى أشخاصًا مجهولين بالنسبة إليه فقط، وإنما قتل مقربين منه، قتل ابنته مارى معنويًا حينما اختار الوقوف إلى جوار ابنته الأخرى ليز، التى عارضت زواج الفتيات.

كان ديك تشينى غامضًا، وكتومًا، ولا نعرف عنه كثيرًا من الحقائق، سوى حقيقة واحدة، أنه كان وحشًا مخيفًا، ليس مطلوبًا منه أن يكون غاضبًا لنهابه ولنرتعد منه. 

فيلم جميل استحق عليه كريستيان بيل الترشح لأوسكار أفضل ممثل، وفى رأيى أنه كان يستحقها أكثر من رامى مالك.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز