البث المباشر الراديو 9090
حسن عبدالموجود
راكم الأستاذ جمال الغيطانى هرمه الكتابى، طبقة فوق طبقة، بهدوء ودأب وتأنٍ، لسنوات وسنوات، لا يمكن فهم إحداها بدون فهم الأخرى، وبدون اكتشاف العلاقة بينهما، إنها أقرب إلى طبقات الأرض المصرية، تدل على ما مرت به المحروسة، وما مر بها، طوال آلاف السنين، وبينما استلهم أستاذه نجيب محفوظ نموذج الرواية الغربية، اتجه إلى الشرق، لينهل من حكاياته، وسحره، وخياله، مضيفاً إليها من روحه المصرية العظيمة الخاصة.

كان جمال الغيطانى واحداً من أدباء قلائل، ربما فى العالم العربى، قادراً على طرح رؤى فكرية عميقة، ضفَّرها فى السرد، بمقدار لا يعرفه إلا مُعلِّم كبير وطباخ ماهر، فلم يطغ السرد على الفكرة، ولم ينل جفاف الفكرة من روح السرد، وصنعت طبختُه النهائية كتابةً لا نظير لها، كتابة لم تأخذ حقها حتى الآن، رغم عشرات الدراسات ورسائل الماجستير والدكتوراه التى كُتبت فيها وقُدمت عنها، ما يزال أمام الباحثين الكثير ليقولوه وليقدموه عن أدب الغيطانى، ما يزال أمامهم الكثير ليقدموا لنا رؤى موازية لعالمه وشخصياته، خاصة ما يتعلق بدفاتره، التى كانت تنطلق مثل سوناتا من نقطة بسيطة، نغمة ضعيفة وهادئة، إن جاز التعبير، لكنها تشكل مركزاً لآلاف النغمات المتداخلة بمرور الوقت، نغمة "الاسم" وتأثيره الهائل على صاحبه فى دفتره الملهم "رن"، أو نغمة المشاهدة أو التلصص فى دفتره "نوافذ النوافذ"، أو نغمة ما يتبقى من علاقة الشخص بالمكان فى "دفتر الإقامة"، وهكذا..

كان يمكن لروائى كبير مثله أن يُغلق الباب على نفسه، مكتفياً بأسفاره، وترجمة أعماله إلى معظم لغات العالم، وجوائزه التى حصل عليها من الشرق والغرب، والتى للأسف لم يمهله القدر ليتوجها بنوبل، لكنه كان مشغولاً بصدق بقضايا الثقافة المصرية، كان يشترى كثيراً من الكتب فى أسفاره فى جميع المجالات، ومنها ما يخص الفن التشكيلى، لتعريف الناس بأهم الفنانين المعاصرين فى العالم، بعيداً عن الأسماء التى صارت محفوظة ومكررة فى الوسط التشكيلى والثقافى بشكل عام، ومنها أعمال إبداعية مهمة وكتب فى التاريخ والجغرافيا والسياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة، كان يرسل كثيراً منها إلى الدكتور جابر عصفور، أثناء رئاسته للمجلس الأعلى للثقافة، وكذلك المركز القومى للترجمة، والدكتور جابر عصفور كان يتلقف ما يرسله صديقه باهتمام بالغ.

كان الغيطانى ينادى بالانفتاح على الثقافات العظيمة، وكسر هيمنة اللغة الإنجليزية على ترجماتنا، لم يكن بالطبع ضد تلك اللغة، لكنه رأى دائماً أن هناك تقصيراً فى ترجمة أعمال ثقافات أخرى، وطالب بالانفتاح على الشرق، اليابان، والصين، وغيرهما، كما طالب بالتعمق ناحية الجنوب، واكتشاف أدب قارتنا الإفريقية العظيم، وكان يرى أن هناك نوعاً من التعالى يسم نظرتنا إلى الأشقاء الأفارقة، مع أن نخبهم تلقت تعليماً فى أهم الجامعات العالمية، ولديهم أدب رائع، يقرؤه العالم البعيد، بينما نحن، جيرانهم، لا نهتم به. كان كذلك مشغولاً بأن تكون الترجمات عن لغاتها مباشرة، فاللغة الوسيطة تُهدر كثيراً من روح النص الأصلى، كما كان ينبِّه كثيراً إلى ضرورة التنسيق بين مؤسسات الترجمة، ليس فقط فى مصر، وإنما كذلك فى العالم العربى، لضمان عدم إهدار الجهد فى إصدار ترجمات لنفس الأعمال، وكان يرى أننا إذا أحسنا اختيار المترجمين، ورفعنا أجورهم، سنضمن درجة من الجودة، تمكننا من توفير الجهد والمال فى المستقبل.

كان مثقفاً موسوعياً كبيراً، مثقفاً غيرياً، غير منكفئ على نفسه، ستجد بصمته حاضرة فى كل مكان، يشكل جداراً كاملاً فى عمارة الرواية المصرية، ورقماً مهماً فى الرواية العالمية، وصحفياً كبيراً، أسس مدرسة تخصه، أفادت الثقافة العربية، وقدمت كثيراً من الشباب الذين صاروا كتاباً مهمين الآن، كما كان مهموماً بقضايا الثقافة المصرية العامة، وكان مشغولاً بالتأريخ لمساجدها وكنائسها وروحها وما يطرأ على شخصيتها من تغير، كان له أحباب ومريدون فى كل مكان، من أسوان إلى الإسكندرية، ولهذا أتمنى أن يكون الاحتفال بذكرى ميلاده، 9 مايو المقبل، على قدر هذا المثقف الكبير، والعالم الجليل، وألا يكون احتفالاً شكلياً.

إننى أتمنى أن تتعاون وزارة الثقافة ومؤسساتها ومعها وزارتا التعليم العالى وكذلك دور النشر الخاصة والمكتبات فى التخطيط لاحتفال يستمر لعام كامل بالغيطانى، وإصدار أهم أعماله فى طبعات شعبية، ومناقشته فى كل بيوت الثقافة، وفى الجامعات المصرية، إننى أتمنى أن يتم تعليق صور الغيطانى فى أهم الشوارع المصرية، لتعرف الأجيال الجديدة أن لهم أباً كبيراً قدم الكثير لبلده وللإنسانية عموماً.  

 

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز