البث المباشر الراديو 9090
حامد
يا فضيلة الإمام الأكبر: "إن السؤال لا يتعلق بقبول النص الدينى ولا برفضه، بل هو كيف يتلقى الإنسان النص ويتفاعل معه؟".

لا بد من فهم الموازاة، بين القرآن والوجود، فإذا كان القرآن هو كلام الله الملفوظ والمكتوب، الذى أنزله الله على البشر، فإن الوجود أيضًا بكل كائناته هو كلام الله وآياته، قال تعالى : (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الْآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) ـ سورة فصلت آية 53 ـ فالجزء الأول من هذه الآية، يدل على الكون الظاهر، والجزء الثانى "وفى أنفسهم" يدل على المعرفة الباطنية، التى ترى الوجود والنص معًا، فى ضوء جديد.

وليس المهم فهم الكلام من خلال ظاهر اللغة، بل الاستماع إلى المتكلم (الله) من خلال مجالات كلامه المختلفة، على مستوى الوجود، ومستوى النص معًا، فالوجود كله كلمات الله، ولا يمكن أن تتم هذه القراءة، التى تستهدف الوصول إلى المتكلم، إلا من خلال تلاوة القرآن على أساس بعديه : الوجودى والنصى معًا.

إن الكون وحركة البشر، هى الواقع المتغير الذى نزل النص من أجله، لذلك لابد فى دراسة النص من البدء بالواقع، باعتباره حقيقة بدهية، والانتقال من خلاله إلى فهم النص، يقول الدكتور نصر حامد أبوزيد : "فالواقع إذن هو الأصل ولا سبيل لإهداره.

ومن الواقع تكون النص ومن لغته وثقافته صيغت مفاهيمه، ومن خلال حركته بفاعلية البشر تتجدد دلالته، فالواقع أولًا والواقع ثانيًا، والواقع أخيرًا"، إن إهدار الواقع لحساب النص الدينى، فى صورته الجامدة، هو إهدار يتسبب فى نقل النص الدينى، من حيز الفاعلية إلى نظاق الأسطورة ـ وهى قصة أومعتقدات خرافية ـ وذلك لغياب البعد الإنسانى، والتركيز على البعد الغيبى فيه.

وإن السبيل الوحيد لإنقاذ النص الدينى، من براثن الأسطورة هو التأويل وفهم الواقع، ومن ثم الاستفادة من النص فى حيويته، وقابليته للتحول والبعد عن الصورة الجامدة، التى تجعله نصًا غيبيًا لا يمت للإنسان بأى صلة.

إن بلورة مفهومى "المجاز" عند المعتزلة، و"رمزية المعانى" عند الصوفية، لتعبر عن آفاق أرحب كى تفتح آفاق النص الدينى، روحيًا وأخلاقيًا وفلسفيًا، هو المنقذ للنصوص الدينية من مصير الجمود، والدواء الناجى لها، الذى استعاد حيوية النص الدينى ونضارة المعانى، فلا بد من انفتاح دائرة التأويل، إزاء قراءات متعددة، ومعانى متسعة للنص الدينى، فإن كل نص دينى يعتبر رسالة، ذات دلالات لغوية متعددة.

يقول الدكتور نصر أبوزيد : "إن السؤال لا يتعلق بقبول النص ولا برفضه، بل هو كيف يتلقى الإنسان النص ويتفاعل معه؟ لقد قام الإمام على ابن أبى طالب، فى رده المعروف جدًا، والمشهور على الخوارج، حين قالوا: لا حكم إلا لله ـ بتأسيس هذا الوعى.. فقال : القرآن بين دفتى المصحف لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال ـ والدلالة الواضحة لهذا المبدأ المهم جدًا والخطير، والمغيب تمامًا فى الخطاب الدينى المعاصر: أن عقل الرجال ومستوى معرفتهم، هو الذى يحدد الدلالة ويصوغ المعنى".

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز