البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
انطلقت فى نيويورك يوم الإثنين الماضى الموافق 19 من الشهر الجارى أعمال "المنتدى العالمى الثامن لتحالف الحضارات" التابع لهيئة الأمم المتحدة، والذى شارك نحو 100 شاب من 60 دولة تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 35 عامًا فى التحضير لهذا الحدث العالمى.

جرى افتتاح هذا المنتدى برئاسة القطرى ناصر عبدالعزيز الناصر، وهو الممثل السامى لتحالف الأمم المتحدة بين الحضارات، وبحضور أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، وماريا فرناندا اسبينوزا غارسيس، رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة للدورة الثالثة والسبعين، ومولود جاويش أوغلو، وزير خارجية تركيا، وفرناندو مارتين فالنزويلا مارزو، وزير الدولة للشؤون الخارجية فى إسبانيا.

ومن بين الجلسات المهمة فى هذا المنتدى، جاءت الجلسة الخاصة بإشراك المواطنين على الإنترنت والمنابر الإعلامية والاجتماعية، كإحدى الآليات للوقاية والتصدى لخطاب الكراهية على الإنترنت تحت عنوان "الدبلوماسية الرقمية"، حيث ناقشت الجلسة كيفية التوصل إلى صيغة قابلة للتطبيق يمكن الاعتماد عليها لإشراك المواطنين، والمنابر الإعلامية والاجتماعية على الإنترنت، لمواجهة الخطاب المحرِّض على الكراهية، وأوضح المشاركون فى هذه الجلسة، أن هذه الجهود لن تنجح دون شراكة حقيقية لأصحاب المصلحة والأمم المتحدة، والحكومات، وصناع التكنولوجيا، والمجتمع المدنى والقطاع الخاص.

هذا المنتدى المقام تحت رعاية إسبانيا وتركيا يحمل عنوان "الشراكات من أجل الوقاية، والمحافظة على السلام"، حيث يطرح مسألة مهمة هى أن من بين أهم التحديات فى العالم آفة التطرف العنيف، وتنامى التمييز وكراهية الآخر على أسس ثقافية ودينية، وأن هناك حاجة ملحَّة لإعادة الالتزام بالحوار بين الأديان وبين الثقافات، وتعزيز التسامح والتنوع وثقافة السلام.

وقد سعى المنتدى العالمى الثامن من أجل ذلك لضم جهات فاعلة دولية رئيسية من مختلف التوجهات، لبناء شبكات وشراكات مثمرة، بحيث يبحث المشاركون عن أساليب مبتكرة لتشجيع اتباع نهج شامل لمنع نشوب الصراعات، وإحلال السلام عن طريق مشاركة الخبرات والممارسات الجيدة.

والحقيقة أنه رغم جودة، وأهمية هذا الحديث حول مواجهة خطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعى، وضرورة إشراك المواطنين ضد هذا الخطاب التحريضى، تبقى هناك ضرورة ملحَّة وأساسية لمناقشة أسباب الكراهية ذاتها، تلك التى يستغلها أصحاب الخطابات التحريضية فى إثارة الجماهير.

وبعيدًا عن الأسباب السياسية التى تدفع البعض إلى اعتناق فكر تحريضى على الكراهية، هناك مشكلة حقيقية لدى عديد من السياسيين والإعلاميين، الذين يستخدمون خطابًا يحمل فى طياته كثيرًا من الكراهية والتمييز، إذ إن خطابات الكراهية لا تأتى فقط من مواطنين عاديين، أو من معارضين سياسيين، بل يطلقها فى أحيان كثيرة رجال إعلام ورؤساء دول ومسؤولون كبار، خذ عندك مثلًا الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وهجومه على الصحفيين المعارضين له، ووصفه لهم بعبارات تحمل الازدراء والكراهية.

ناهيك عن خطابه العنيف ضد المهاجرين من دول أمريكا اللاتينية إلى الولايات المتحدة، التى بناها أصلًا المهاجرون، وأعتقد أن أسرته واحدة من تلك الأسر المهاجرة، بل وهدد الرئيس الأمريكى بإطلاق النار على المهاجرين الذين يحاولون الدخول بصورة غير شرعية، مشيرًا إلى أن بلاده لن تقبل أى لاجئ لم يأت عبر معبر حدودى، وهو تهديد عنيف من شأنه أن يزيد من الكراهية وخطاباتها، حتى وإن كان الغرض منه حفظ الأمن واحترام قرارات الدولة.

وهناك أيضًا السلوك العنيف من قوات الاحتلال الاسرائيلى تجاه الفلسطينيين، وهو سلوك شبه يومى، ويدفع بتأجيج مشاعر الكراهية بين الطرفين، فكيف يمكن إقناع الفلسطينيين بعدم كراهية قوات الاحتلال فى ظل هذا السلوك الروتينى العنيف ضدهم؟

أخشى مما أخشاه أن مبادرات هيئة الأمم المتحدة أصبحت مبادرات "أنيقة"، ذات تأثير محدود فى نخبة "أنيقة" من نخب الدول، التى تسعى الهيئة لأن تؤثر تلك المبادرات فيهم، وهو أمر بات واضحًا فى انصراف معظم العامة فى أغلب دول العالم الثالث عن خطابات الأمم المتحدة الإعلامية، بل إن هناك قدرًا لا بأس به من فقدان الثقة فى تلك الهيئة، بسبب ضعفها فى مواجهة قرارات الولايات المتحدة، ولا سّيما تلك المتعلقة بوقف الدعم عن الأونروا، وغيرها من القرارات التى لا تستطيع هيئة الأمم المتحدة تنفيذها تحت ضغوط سياسية لبعض الدول.

وهو تمامًا نفس ما عبرت عنه نانسى جروفز، ممثلة الأمم المتحدة فى تلك الجلسة، حين قالت إن جهود الأمم المتحدة فى وضع سياسات وإجراءات لمكافحة خطاب الكراهية، لا تصل إلى الناس ولا يتحدث عنها أحد على مواقع التواصل الاجتماعى.

الخلاصة أن المبادرة فى مجملها جيدة، لكنها فى حاجة إلى تعميق البحث أكثر وأكثر فى أسباب التطرف، وانتشار خطاب الكراهية، وسبل مواجهته، كى تحظى بنجاح أكبر، وحتى لا يبقى الأمر مجرد تظاهرة "أنيقة"، يعمل على نشرها فقط مائة شاب وفتاة من ستين دولة!

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز