النائب محمد أبو حامد
إن بعض رجال الدين يزعمون امتلاكهم للحقيقة، ويتصورون أنفسهم حراسها والمدافعين عنها، يقول ابن عربى عنهم: "إنهم لا يدركون ما يدركه أهل الله من سريان التجليات الإلهية فى كل شىء، ولا يدركون شيئا من تبدلها و تغيرها فى كل آن".
يقول الدكتور نصر حامد أبوزيد: منذ اللحظات الأولى فى التاريخ الإسلامى، وخلال فترة نزول الوحى وتشكل النصوص، كان ثمة إدراك مستقر أن للنصوص الدينية مجالات فعاليتها الخاصة، وأن ثمة مجالات أخرى تخضع لفاعلية العقل البشرى والخبرة الإنسانية، ولا تتعلق بها فعالية النصوص، وكان المسلمون الأوائل كثيرا ما يسألون إزاء موقف بعينه ما إذا كان تصرف النبى محكوما بالوحى أم محكوما بالخبرة والعقل، وكثيرا ما كانوا يختلفون معه، ويقترحون تصرفا آخر إذا كان المجال من مجالات العقل و الخبرة، الأمثلة على ذلك كثيرة، وتمتلئ بها كل وسائل الخطاب الدينى وأدواته من كتب ومقالات وخطب ومواعظ وبرامج وأحاديث، ورغم ذلك يمضى الخطاب الدينى فى مد فعالية النصوص الدينية إلى كل المجالات، متجاهلا تلك الفروق التى صيغت فى مبدأ: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم".
ولا يكتفى الخطاب الدينى بذلك، بل يوحد بطريقة آلية بين هذه النصوص وبين قرأته وفهمه لها أى التوحيد بين الفكر البشرى والدين، وبهذا التوحيد لا يقوم الخطاب الدينى بإلغاء المسافة المعرفية بين الذات والموضوع فقط، بل يتجاوز ذلك إلى ادعاء ضمنى بقدرته على تجاوز كل الشروط والعوائق الوجودية والمعرفية والوصول إلى القصد الإلهى الكامن فى هذه النصوص، وفى هذا الادعاء الخطير لا يدرك الخطاب الدينى المعاصر أنه يدخل منطقة شائكة هى منطقة "الحديث باسم الإله"، وهى المنطقة التى تحاشى الخطاب الإسلامى - على طول تاريخه عدا استثناءات قليلة لا يعتد بها - مقاربة تخومها، ومن الضرورى الإشارة إلى أن هذه الآلية تتداخل مع آليات أخرى و تشتبك بها، فآلية "اليقين الذهنى والحسم الفكرى" مثلا يمكن أن تعد إحدى نتائجها، فالخطاب الدينى المعاصر يبدو وكأنه يصدر عن مسلمات لا تقبل النقاش أو الجدل، فالجميع يتحثون عن الإسلام - بألف ولام العهد - دون أن يخامر أحدهم أدنى تردد ويدرك أنه يطرح فى الحقيقة فهمه هو للإسلام الذى كثيرا ما تضاف له صفة الصحيح فصلا له عن الزائف الذى يمثل اجتهادا آخر، إن ما يشغلنا هنا ليس قيمة فهمه للنص فى ذاته، بل شاغلنا الأساسى الكشف عن ذلك الاقتناع بامتلاك الحقيقة فى الخطاب الدينى.
يقول أحد المفكرين الإسلاميين معبرا عن هذا الفهم: "ليس هناك إسلام تقدمى وآخر رجعى، وليس هناك إسلام ثورى وآخر استسلامى، وليس هناك إسلام سياسى وآخر اجتماعى، أو إسلام لسلاطين وآخر للجماهير، هناك إسلام واحد، كتاب واحد، أنزله الله على رسوله، وبلغه رسوله إلى الناس"، وهو قول ينقضه الواقع المشاهد بل وينقضه تاريخ الإسلام ذاته، ذلك التاريخ الذى شهد تعددا فى الاتجاهات والتيارات والفرق التى قامت لأسباب اجتماعية اقتصادية سياسية، وصاغت مواقفها بالتأويل والاجتهاد فى فهم النصوص، ولكن هذا الإصرار على وجود إسلام واحد و رفض التعددية الفعلية يؤدى إلى نتيجتين:
النتيجة الأولى: أن للإسلام معنى واحد ثابت لا تؤثر فيه حركة التاريخ، ولا يتأثر باختلاف المجتمعات، فضلا عن تعدد الجماعات بسبب اختلاف المصالح داخل المجتمع الواحد.
النتيجة الثانية: أن هذا المعنى الواحد الثابت يمتلكه جماعة من البشر، وأن أعضاء هذه الجماعة مبرأون من الأهواء والتحيزات الإنسانية الطبيعية، وهكذا ينتهى الخطاب الدينى إلى إيجاد كهنوت يمثل سلطة ومرجعا أخيرا فى شؤون الدين والعقيدة وحارسا لها.