البث المباشر الراديو 9090
 النائب محمد أبو حامد
"للخطاب الدينى الإسلامى موقف نفعى أيديولوجى من التراث، موقف يستبعد منه العقلى والمستنير الذى يمثله المعتزلة والعقلانيون والفلاسفة والمتصوفة ليكرس الرجعى المتخلف".

الوحى صالح لكل زمان ومكان.. مبدأ يقره الخطاب الدينى، وعلى الرغم من ذلك تجده يتمسك بتفسيرات الرعيل الأول، خصوصا الجيل الأول والجيل الثانى والمرويات المنقولة عنهم بشكل خاص، وتحويل أقوال السلف واجتهاداتهم إلى نصوص مقدسة لا تقبل النقاش أو إعادة النظر والاجتهاد، بل يتجاوز الخطاب الدينى هذا الموقف إلى التوحيد بين تلك الاجتهادات وبين الدين فى ذاته أى التوحيد بين الفكر والدين، مما يؤدى إلى ربط دلالة النص بالأفق العقلى والإطار الثقافى لعصر الجيل الأول من المسلمين، وقصر دور المفسر والمجتهد الحديث على الرواية عن القدماء، إنهم بذلك يهدمون مبدأ صلاحية النص لكل زمان ومكان، والذى لا يتحقق إلا بانفتاح الدلالة والمعنى للنصوص الأصلية وما تحمله من مضامين.

إنهم يزعمون أن المعرفة الدينية لا تتطور، وإن فهم السلف للقرآن هو الحجه والحق الذى لا يقبل الشك ولا الرد، وإن اتباع سبيلهم وموافقة فهمهم هو العاصم من الزلل، والمنقذ من الضلال، وهذا يؤدى إلى نتيجة خطيرة هى أن يتمسك الناس بحرفية هذه التفاسير ويحولونها إلى عقيدة، وهذا يفسر رفضهم المطلق لأى مراجعة تحدث لكتب التراث، واعتبار ذلك من وجهة نظرهم هدم للدين، إنهم يريدون الاكتفاء بهذه الحقائق الأزلية التاريخية الموجودة بكتب التراث بوصفها حقائق نهائيه، والتخلى عن منهج التجريب فى دراسة الظواهر الطبيعية والإنسانية، وتعطيل منهج تجديد الفهم للنصوص الدينية، ويتحول الدين بذلك إلى خرافات وخزعبلات وبقية من بقايا الماضى.

إن هذا المنهج فى التعامل مع التراث يعتبر كل الاتجاهات المخالفة له مخالفة للحق، وإن تأويلاتها ليست سوى تأويلات فاسدة، وهى على أحسن أحوالها فى رأيهم تفسير بالرأى المذموم المنهى عنه من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار، ومن هنا نشأت عندهم قضية الفرق المبتدعة فى مواجهة أهل السنة والجماعة، حيث تمثل الأولى الكفر والأخرى الإيمان، ومن أبرز من يمثل هذا الفكر المبتدع كما يزعمون "المعتزلة"، و"المتصوفة"، و"الفلاسفة"، وهم بذلك يتعمدون تجاهل ووصم جانب آخر من الفكر الدينى يناهض فكرة سلطة التراث ويردها على أصحابها.

وهذا فى حقيقته، كما يقول الدكتور نصر أبوزيد، يمثل موقفا نفعيا أيديولوجيا من التراث، موقفا يستبعد منه العقلى والمستنير الذى يمثله المعتزلة والفلاسفة والمتصوفة ليكرس الرجعى المتخلف، ولعل ما يحدث الآن مع الدكتور سعد الدين الهلالى، وما تعرض إليه الإمام محمد عبده فى الماضى خير شاهد على ذلك، ويتم ذلك فى أحيان كثيرة بإضفاء صفة القداسة الدينية على الاتجاه الذى يقدس التراث ويؤمن بسلطته، ورد الاتجاه الثانى إلى تأثيرات أجنبية، مثل فلسفة الإغريق ومنطقهم، وأساطير الفرس وتصوراتهم، وإسرائيليات اليهود ولاهوت المسيحيين، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات، يدعون أنها انحرفت به عن الإسلام الحقيقى.

ورغم هذا الموقف الانتقائى النفعى من التراث، لا يتورع الخطاب الدينى عن التفاخر بهذا الجانب العقلانى الذى يرفضه من التراث، لكن هذا التفاخر ينحسر فى مجال المقارنة بين أوروبا القرون الوسطى، وبين حضارة المسلمين، وكيف تأثرت أوروبا بمنهج التفكير العقلى عند المسلمين، خصوصا فى مجال العلوم الطبيعية، وليست هذه المباهاة فى حقيقتها إلا مبررا يطرحه الخطاب الدينى يسمح للمسلم باستيراد الثمرات المادية للتقدم الأوروبى والثورة الصناعية بوصفها كما يزعمون "بضاعتنا ردت إلينا"، إننا طبقا لفهم رجال الخطاب الدينى المعاصر، نسترد ثمرات المنهج التجريبى الذى أخذته أوروبا عن أسلافنا، هذا ما يدّعيه الخطاب الدينى.

وسوف أعرض لكم إن شاء الله فى المقال القادم مناقشة وقعت منذ سنوات طويلة بين الإمام محمد الإنبابى، شيخ الأزهر الأسبق، وبين الإمام محمد عبده، بشأن مناهج الأزهر لعلها تبيّن ما أردته من هذا المقال.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز