البث المباشر الراديو 9090
محمد أبو حامد
"التاريخ يؤدى إلى عملية من الممكن أن نسميها نسخًا": أى نسخ الحكم مع وجود النص" ـ نصر حامد أبو زيد.

إن النصوص، دينية كانت أم بشرية محكومة بقوانين ثابتة، والمصدر الإلهى للنصوص الدينية، لا يخرجها عن هذه القوانين، لأنها تأنسنت منذ تجسدت فى التاريخ واللغة، وتوجهت بمنطوقها ومدلولها إلى البشر، فى واقع تاريخى محدد، إنها محكومة بجدلية الثبات والتغير، فالنصوص ثابتة فى المنطوق متحركة متغيرة فى المفهوم، والخطاب الدينى حين يعلن أنه: لا اجتهاد فيما فيه نص، يجمد دلالة النصوص.

فى 5 يوليو 2010 شُيّع الدكتور نصر حامد أبوزيد، إلى مثواه الأخير، فى مسقط رأسه بقرية قحافة فى مدينة طنطا، وذلك بعد 15 عامًا من خروجه من مصر، إثر الحكم بردته وتفريقه عن زوجته، وذلك بعد أن أثار الجدل فى تسعينيات القرن الماضى، بكتاباته فى الفكر الإسلامى والدينى، ومعارضته سلطة النص المطلقة.

وعندما قدم أبو زيد، أبحاثه بعنوان "نقد الخطاب الدينى" للحصول على درجة الأستاذية، تكونت لجنة من أساتذة جامعة القاهرة، أبرزهم رئيسها د. عبد الصبور شاهين، الذى اتهم فى تقريره أبو زيد بالكفر، إلا أن المثير أنه أنكر، فى عام 2010، فى حوار أجرته معه جريدة الدستور، أن يكون قد كفر أبو زيد، وحدثت القضية المعروفة، التى انتهت بمغادرته مصر إلى المنفى منذ 1995، بعد حصوله على درجة أستاذ بأسابيع.

وعندما سئل الدكتور نصر حامد أبو زيد، هل هناك نتائج ملموسة، لما مارسته من نقد للخطاب الدينى، وللنص التراثى، خاصة وهذا الميدان، يمكن أن يكون من أصعب الميادين فى فهمك، من قبل القارئ: كيف يكون نصر حامد أبو زيد، مؤمنًا حقيقة بهذا النص ويوجه له النقد؟، فهل حققت نتائج على المستوى المعرفى، على مستوى الجامعة، على مستوى الوعى الثقافى العام؟

فقال الدكتور: أعتقد أن هذا النقد الانتمائى، حقق بعض النتائج الإيجابية، مثلًا فى مسألة "تاريخية" المعنى القرآنى، التى سببت كارثة شخصية لى، أصبحت هذه التاريخية مقبولة قبولًَا ضمنيًا، وإن لم تستخدم كلمة تاريخية استخدامًا صريحًا، أعنى أن مفهوم التاريخية الذى اعتبر هرطقة ورده عام 1995.

تسرب فى الوعى الدينى التقليدى واخترقه، مثلًا ما قاله شيخ الأزهر الحالى ـ وقت الإجابة على السؤال عام 2009 ـ الشيخ سيد طنطاوى فى سياق الرد على مرشد الإخوان عندما قال ـ فى حوار مطول، إن الأقباط إخوتنا، ولكن لا يجب أن يخدموا فى الجيش، حتى لا نُعرضهم للحرج، فى حال قيام حرب مع دولة مسيحية، لهذا يجب أن يدفعوا ضريبة الإعفاء من الخدمة العسكرية أى الجزية.

وهذا الرأى أغضب المصريين كلهم، فقد ألغيت فكرة "الجزية" فى مصر، أواخر القرن التاسع عشر، شيخ الأزهر فى رده على هذا قال: "إن الجزية كانت ممارسة تاريخية"، نعم كانت ممارسة تاريخية، ولكنه يعرف جيدًا أنها منصوص عليها فى القرآن فى سورة التوبة: (حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ).

لا يجرؤ شيخ الأزهر، أن يقول أن كلامه معناه أن القرآن نص تاريخى، لكن تسربت فكرة التاريخية لوعيه، لتحل له هذه المشكلة، لا يستطيع شيخ الأزهر، ولا أى واحد ينتمى إلى أى من المؤسسات الدينية، أن يقول أن هذا النص، هذا الجزء من النص أصبح تاريخى، يعنى أنه أصبح غير قابل للتطبيق، فهذه بالنسبة لهم جريمة كبيرة، كفّروا بسببها قديمًا وحديثًا مفكرين وفلاسفة مسلمين.

ونفس الأمر، ينطبق على النصوص والأحكام الخاصة بالعبودية: فقد أصبحت نصوصًا تاريخية، بمعنى آخر، إن التاريخ يؤدى إلى عملية، من الممكن أن نسميها: "نسخًا": أى نسخ الحكم مع وجود النص، والفقهاء التقليديون لهم حيل، يجب على العقل النقدى أن يتصدى لها، هذه الحيل يمكن أن تقول: لا هذا ليس نسخًا، إنه لا يجوز أن ينسخ شىء من القرآن إلا بالقرآن، إنما هذا نسيئ، ماذا يعنى نسىء؟ يعنى: تأجيل تطبيق حكم النصوص الخاصة بالعبودية تأجيلًا مؤقتًا: لأنه من الجائز أن تعود العبودية ثانية، فتبقى هذه النصوص فاعلة، هذا معناه أن هذا الفقيه، لا يحيا فى العالم ، لا علاقة له بالتاريخ وتطور الإنسانية، ولا ينتمى لهما، ولا يفهما.

ويتجلى ذلك فى مقالة دينية قرأتها قريبًا، فى إحدى المجلات، ورد فيها أن القرآن يتكلم عن حكم عدة النساء، اللاتى لم يحضن بعد موت الزوج، هذا معناه أن القرآن يتعامل مع واقع تاريخى، كان زواج القاصرات فيه مشروعًا، بحكم التقاليد والعادات والأعراف، لكن مع الأسف فإن الشيخ الذى كتب المقال، يستنبط من هذا النص جواز الزواج من الفتاة، التى لم تحض، أى لم تبلغ سن الحيض.

هنا تؤخذ الشواهد النصية التاريخية، من أجل أن يقال إن الزواج من الصغيرة شرعى، بغض النظر عن أن القرآن، يتعامل مع حالات موجودة فى الواقع، ولا يؤسسها، القرآن لا يقول تزوجوا المرأة، التى لم تحض، كون القرآن يضع حكمًا لعدة المرأة، التى مات عنها زوجها، ليس معناه أن القرآن، يؤسس قاعدة للزواج بالصغيرة.

هذا الشيخ يعيش عقله وفكرة فى القرن السابع، ويريد أن يقف ضد التطور، الذى حصل فى المجتمعات الإنسانية والعربية، وضد الحقوق، التى أعطيت للمرأة، إنه يقول للمسلم: من الممكن أن تتزوج من بنت عمرها عشر سنوات، لأنه كان فى العصر الفلانى يتزوجون البنات قبل ما يبلغن سن الحيض، هنا ينبغى أن نتصدى لمثل هذا العبث، الذى يسيئ إلى الدين ذاته.

لا يمكن لأحد أن يقرأ القرآن، إلا ويرى بصمات التاريخ، والحركة الاجتماعية فى بنيته، إذن نحن بحاجة لمعرفة السياق التاريخى العام "القرن السابع وما قبله"، والخاص "تاريخ الحجاز وتاريخ فترة النبوة"، من أجل أن نفهم، ومن أجل أن ندرك الحيوية، التى يتعامل بها الوحى مع الواقع.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز