البث المباشر الراديو 9090
 النائب محمد أبو حامد
"الأديان بالذات، على الرغم من سوء استخدامها، وبرغم فشلها التاريخى المتكرر تتحمل مسؤولية إمكانية إبقاء الآمال، والأهداف، والمثل العليا والمعايير حية وتسويغها ومعايشتها".

برلمان الأديان أقيم للمرة الأولى فى عام 1893 على هامش المعرض العالمى فى شيكاغو، حيث اجتمع لأوَّل مرة فى التاريخ الحديث ممثِّلون عن جميع الأديان الرئيسية فى العالم من أجل النقاش حول مسائل الإيمان.

وكان الإسلام وحده غائبًا عن الاجتماع، وذلك لأنَّ السلطان فى إسطنبول كان ينظر إلى هذا المشروع بعين الريبة والشكّ وقد منع الفقهاء والعلماء المسلمين الرسميين من المشاركة.

وفى الرابع من شهر سبتمبر عام 1993، احتفى بمرور مائة عام عليه فى مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، وصدر عنه إعلان عن المقاييس العالمية للإخلاق جاء فيه:

أولا: لا نظام عالميا جديدا بلا مقاييس عالمية للأخلاق:

نحن ـ نساءً و رجالاً ـ من مختلف أديان هذا العالم وبلدانه نتوجه لذلك إلى الناس كافة متدينين وغير متدينين. نحن نريد التعبير عن قناعتنا المشتركة بما يلى:

نحن جميعا نتحمل مسؤولية إقامة نظام عالميّ أفضل.

إن جهودنا المبذولة من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان، والحرية، والعدل، والسلام، والمحافظة على الأرض ضرورية لا محالة.

إن تقاليدنا الدينية والثقافية المختلفة جدا لا يجوز أن تمنعنا من أن نكافح معا كل أشكال اللاإنسانية بفاعلية، والسعى لإحلال مزيد من الإنسانية.

إن المبادئ المُعبر عنها فى هذا الإعلان يمكن لجميع الأفراد من أصحاب المبادئ الأخلاقية، سواء كانت مسوغة دينيا أم لا، المشاركة فى دعمها.

لكن باعتبارنا أشخاصا متدينين ذوى توجهات روحانية، ونؤسس حياتنا على حقيقة أخيرة ـ نستمد منها قوة روحانية وأملا، بالتوكل والصلاة أو التأمل الروحى نطقا أو صمتا ـ فنحن لدينا التزامٌ خاص جدا لتحقيق خير الإنسانية، والاعتناء بكوكب الأرض، نحن لا نعتبر أنفسنا أفضل من الآخريين، لكننا على ثقة بأن حكمة أدياننا العريقة فى القدم يمكن أن ترشدنا إلى سبل المستقبل أيضا.

صحيح أن عصرنا شهد تقدما علميا وتكنولوجيا أعظم من أى وقت مضى إلا أننا نواجه برغم ذلك حقيقة أن معدلات الفقر، والجوع، ووفاة الأطفال، والبطالة، والإملاق، وتدمير الطبيعة على مستوى العالم لم تتراجع، بل زادت. تُواجه شعوب كثيرة خطر الدمار الاقتصادى، والتفكك الاجتماعى، والتهميش السياسى، والكوارث البيئية، والانهيار القومى.

فى مثل هذه الأوضاع العالمية المأساوية لا تحتاج الإنسانية إلى برامج سياسية وأفعال فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى رؤية تعايش سلمى بين الشعوب، وبين الجماعات الإثنية والأخلاقية، وبين الأديان، بمسؤولية مشتركة تجاه كوكبنا الأرض، رؤية مبنية على الآمال والأهداف، والمثل العليا والمعايير. بَيْدَ أن كثيرا من الناس فى جميع أنحاء العالم قد فقدوا كل هذا.

على الرغم من ذلك فإننا مقتنعون بأن الأديان بالذات، برغم سوء استخدامها، وبرغم فشلها التاريخى المتكرر تتحمل مسؤولية إمكانية إبقاء مثل هذه الآمال، والأهداف، والمثل العليا والمعايير حية وتسويغها ومعايشتها.

هذا ينطبق بصورة خاصة على كيان الدولة الحديثة، إن ضمانات حرية الأديان وحرية الضمير ضرورية لكنها لا يمكن أن تحل محل القيم الرابطة والمبادئ والمقاييس التى تسرى على البشر جميعا، بصرف النظر عن الأصل الاجتماعى، والجنس، واللون، واللغة، أو الدين.

إننا مقتنعون بالوحدة الجوهرية للأسرة الإنسانية على كوكبنا الأرض. نحن نذكّر لذلك بالإعلان العام لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948م. إن ما ينادى به هذا الإعلان بقوة على مستوى الحقوق نريد تأكيده وتعميقه هنا من وجهة نظر المعايير الأخلاقية: التحقيق الكامل لحرمة الشخص الإنسانى، وللحرية المقدسة (التى لا تباع)، والمساواة المبدئية بين جميع البشر، والتضامن الضرورى، واعتماد البشر كل بعضهم على بعض.

بناءً على خبرات الحياة الشخصية، وتاريخ كوكبنا الأرض المزدخم بالمعاناة، تعلمنا: أن الحق بلا أخلاق لا يمكن أن يدوم ويستتب مع الوقت، وإنه لذلك لن يوجد نظام عالمى جديد بلا مقاييس عالمية للأخلاق.

تابع بنود الوثيقة فى المقال المقبل إن شاء الله..

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز