البث المباشر الراديو 9090
محمد أبو حامد
"لماذا كل هذا القلق مما سيحدث بعد الحياة، مستقبل متخيّل، عندما تكون هذه اللحظة بالذات هي الزمن الوحيد الذي نستطيع أن نشعر حقاً بصورة كاملة بوجود الله وغيابه في حياتنا؟ إنّ الصوفيين يحبون الله، لا خوفاً من العقاب فى جهنم، ولا رغبةً فى الثواب والمكافأة في الجنة، بل يحبون الله لمجرد محبته الخالصة، محبة نقية وسهلة، غير ملوية، خالية من أى مصلحة".

- شمس الدِّين التبريزى هو المُعلم الروحى لمولانا جلال الدين الرومى، وهو شاعر صوفى فارسى ولد فى مدينة تبريز والتي تعتبر من أهم المدن الإيرانية عام 582 هجرية، وكتب ديوان التبريزى فى مجال العِشق الإلهى، وله أيضاً قواعد العشق الأربعون، ومما قاله:

- مؤمن مضطرب! إذا صام المرء شهر رمضان كلّه باسم الله، وقدّم خروفاً أو عنزةً كل عيد ليغفر له ذنوبه، وإذا جاهد المرء طوال حياته ليحج إلى بيت الله الحرام فى مكة المكرمة، وإذا سجد خمس مرات كل يوم على سجّادة الصلاة، وليس فى قلبه مكانا للمحبة، فما الفائدة من كل هذا العناء؟ الإيمان مجرد كلمة، إن لم تكن المحبّة فى جوهرها، فإنه يصبح رخواً، مترهلاً، يخلو من أى حياة، غامضاً وأجوفًا، ولا يمكنك أن تحسّ به حقا.

- إن إلهى.. إله عظيم. إله حىّ! لماذا أريد إلهاً ميتاً؟ إنه حىّ. اسمه الحىّ القيّوم. لماذا أتخبّط فى مخاوف أبدية وقلقٍ لا ينتهى، حيث يقيدنى دائماً بالمحرّمات والمحظورات؟ فلا حدود لرحمته. إذ إن اسمه الودود الحميد. إني أحمده بكل كلماتى وتصرفاتى، بشكل طبيعى ويسر كما أتنفس الهواء، اسمه الحميد.. فكيف يمكننى أن أستغيب الآخرين وأشهر بهم وأنا أعلم فى أعماق قلبى أن الله هو السميع البصير؟، اسمه البشير. جميل يفوق كل الأحلام والآمال.. الجميل، القيوم، الرحمن، الرحيم.

- أثناء المجاعات والفيضانات، وخلال الجفاف والظمأ، سأغنى وأرقص له حتى تخور ركبتاى، وحتى ينهار جسمى، وحتى يتوقف قلبى عن الخفقان. سأحطّم نفسى إلى شذرات حتى لا أعدو إلا مجرد ذرّة فى العدم، عابر سبيل فى الفراغ المحض، هباء فى هندسته العظيمة الرائعة. ولن أكف عن امتداح عظمته وكرمه بامتنان، وسعادة. سأشكره على كل ما منحنى إياه وما حرمنى منه، لأنه يعرف ما هو الأفضل لى.

- يتبوأ الإنسان مكانة فريدة بين خلق الله، إذ يقول عز و جل: "ونفخت فيه من روحى". فقد خلقنا جميعا من دون استثناء لكى نكون خلفاء الله على الأرض. فاسأل نفسك كم مرّة تصرّفت كخليفة له.. هذا إن فعلت ذلك؟ تذكر أنه يقع على عاتق كل منا اكتشاف الروح الإلهية فى داخله حتى يعيش وفقها.

- إن الدين بكليته أعظم وأعمق بكثير من الأجزاء الصغيرة المكونة له، ويجب قراءة كل قاعدة دينية فى إطار القواعد كلها، والقواعد الكاملة تتوارى فى الجوهر. لكن بدلاً من البحث عن جوهر القرآن، وأخذه ككل، ينتقى المتعصبون آية أو آيتين بعينهما، ويمنحون الأولية للأوامر الإلهية التى يرون أنها تتناغم مع أسلوب تفكيرهم وعقولهم التى يسكنها الخوف...، ويتركز هاجسهم الرئيسى فى الحياة على الأهوال وعلى الجزاء والنار والجنة، والملائكة والشياطيين، وفى سعيهم الذائب للوصول إلى مستقبل يبرّر من هم اليوم، فإنهم ينسون الله! إن جهنم تقبع هنا والآن، وكذلك الجنة. توقفوا عن التفكير بجهنم بخوف أو حلم بالجنّة، لأنهما موجودتان فى هذه اللحظة بالذات. ففى كل مرة نحب نصعد إلى السماء. وفى كل مرة نكره، أو نحسد، أو نحارب أحدا، فإننا نسقط مباشرة فى جهنم.

- هل يوجد جحيم أسوأ من العذاب الذى يعانيه الإنسان عندما يعرف فى أعماق ضميره أنه اقترف ذنبًا جسيما؟ اسأل ذلك الرجل، فإنه سيخبرك ما جهنم. هل يوجد جنة أفضل من النعمة التى تهبط على الإنسان فى تلك اللحظات النادرة من الحياة عندما تفتح فيها مزاليج الكون، ويشعر بأنه يمتلك كل أسرار الخلود ويتّحد مع الله اتحاداً تاماً؟ اسأل ذلك الرجل فإنه سيخبرك ما الجنة.

- الحب هو العلّة. الحب هو المعلول فعندما تحب الله، وعندما تحب كل مخلوقاته من أجله وبفضله، تذوب جميع الانقسامات وتختفى. ومن هنا.. لا يعود هناك شىء يدعى "أنا"، وكل ما تبلغه هو صفر كبير يغطى كيانك كلّه.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز