حنان أبو الضياء
حيلة التضاريس البشرية، استخدمت منذ بدء الخليقة والبشرية، ولكن الأمريكان أخضعوها للتجارب والنظريات الاجتماعية لتصبح أكثر فاعلية، خصوصًا إذا كان كان قوامها القوى الأنثوية.
التضاريس البشرية، أطلقها البنتاجون ورصد لها مبلغ 40 مليون دولار أمريكى لتغطية تكاليفها، والهدف المعلن لهذا البرنامج هو توظيف حاملى الشهادات العليا فى علم الإنسان (الأنثروبولوجى) فى صفوف الجيش الأمريكى وبرواتب مغرية، تبدأ من 100 ألف وقد تصل إلى 300 ألف دولار سنويًّا لتوعية الجنود الأمريكيين بعادات وتقاليد شعبى العراق وأفغانستان، وقام هؤلاء الأنثروبولوجيين بزيارة السكان المحليين والتحدث إليهم لتحويل الأعداء إلى أصدقاء، وكسب قلوب الناس.
وبالطبع ظاهر الموضوع غير باطنه، لأن الهدف غير المعلن لهذا البرنامج هو استخدام هؤلاء الأنثروبولوجيين من أجل جمع معلومات وتحديد أماكن جيوب المقاومة والمتعاطفين معها، وأسوأ من ذلك احتمال أن يصبح من تَمَّ التحدث إليهم من السكان المحليين أهدافًا عسكرية، وهو بذلك يعد تكملة لبرنامج "الكوردز"، الذى تم تبنِّيه فى الحرب الفيتنامية، وكان له دورًا كبيرًا فى توصيل المعلومات عن المعارضين لأمريكا وتصفيتهم جسديًا.
والتضاريس البشرية بذلك تصبح أحد أدوات حروب الجيل الرابع الاستعمارية، التى تعدت مرحلة الأدوات العسكرية، وأصبحت أقل اعتمادًا على العضلات والقوة، وأصبح تمركزها حول السكان باعتبارهم مركز الثقل العسكرى، إذ تسعى إلى تحويل ولاءاتهم من ولاءات داعمة للبلد إلى داعمة للمعتدى، من خلال إعادة تشكيل عالمهم الاجتماعى وهندسته اجتماعيًا، وهو ما يطلق عليه عمليات كسب العقول والقلوب.
وللأسف هذا التكنيك من الحروب يستخدم النساء بشكل كبير فى تنفيذه، لأنه يكون غزوا للبيوت، ومنذ سنوات وأثناء زيارة لى للمغرب، علمت من أحد شيوخها الكبار أن الفرنسيين كانوا يستخدمون الزيارات المنزلية للممرضات الفرنسيات لعلاج النساء المغربيات وتعلميهن الفرنسية، مقابل المواد الغذائية الأولية، وكانت تلك هى اللبنة الأولى للاستعمار الثقافى الفرنسى للمغرب حتى الآن.
وبالتالى حروب التضاريس البشرية ذات منحى أنثوى، معتمد على أكذوبة نشر الديمقراطية وتحرير المرأة والدفاع عن الحقوق، ولقد طبق الجيش الأمريكى ذلك فى أفغانستان بإنشاء "فرق الاشتباك النسائية" ضمن وحداته العسكرية، بغية تجاوز الحساسيات الثقافية الأفغانية، وتمكين نساء الجيش الأمريكى من الوصول إلى النساء الأفغانيات (Women to Women).
وعن طريق التضاريس البشرية تم التفاعل بين النساء الأمريكيات والأفغانيات، ودخل الجيش الأمريكى إلى عالم النساء فى محاولة لتحويلهنّ إلى حليفات محتملات، لكى يساهمن فى المجهود الحربى الأمريكى باعتبارهنّ مصدرًا للمعلومات الاستخباراتية، فضلاً عن النظر إلى قدراتهنّ فى إنجاز تحولات اجتماعية، بدءًا من العائلة ووصولاً للمجتمع.
"نظام التضاريس البشرية" أحد الجهود السابقة لمشروع "فِرق إعادة الإعمار الإقليمى" أو Provincial Reconstruction Teams، وهى بعثات تتكون من ضباط بالجيش، دبلوماسيين وخبراء تنمويين، لدعم عمليات إعادة الإعمار فى البلاد التى تواجدت بها القوات الأمريكية كالعراق وأفغانستان، ومؤخرًا سوريا وبدأت فى الانسحاب منها.
ولأن الولايات المتحدة تعمل على الاستمرار فى الشرق الأوسط بحجة محاربة الإرهاب، لذلك فإن استيعاب الملامح الثقافية والمجتمعية لإنسان الشرق الأوسط، يُعد أمرًا لا مفر منه لتمكين الولايات المتحدة من خلق تحالفات جديدة داخله.
لذلك فلا عجب أننا نسمع عن أن الولايات المتحدة تقوم بزيادة عدد الضبّاط المتخصّصين فى العلوم الإنسانية والمجتمعية، بدلًا من التركيز على تفضيل أصحاب التخصصات التقنية والهندسية.
إلى جانب قيام أمريكا بتوسيع دائرة الدارسين للغات الأجنبية، من خلال معاهد القوات المسلحة المتميّزة، لتشمل ضباط الأكاديميات البحرية، وضباط الاحتياط، وكذلك توفير مزيد من الفرص لأعضاء الهيئة العسكرية للسفر والعمل بالخارج.
وللأسف تعمل أمريكا على سد الفراغات الواسعة بين العسكريين والأكاديميين فى وقت قليل، وتستغل الفرصة للسيطرة على القلوب والعقول، بينما تتلاعب بنا بمقولات منمقة عن حقوق الإنسان، ونحن نسير ورائها دون تفكير أو تمييز للصالح من الطالح.