النائب محمد أبو حامد
- يؤكد الأديب والفليسوف جون باينس، وهو أديب وفليسوف معاصر، فى كتابه أسس التعامل والأخلاق للقرن الحادى والعشرين أن ثمة علاقة سببية بين الأخلاقيات والنجاح، فمن الواضح أن حالة الفوضى الأخلاقية الاجتماعية التى نعيشها تزيد من انتشار حالات سوء التصرف الإنسانى، وهذا الكتاب لا يلم بدراسة الأخلاق الطبيعية بشكل تام، ولا يقدم تحليلا لعجز الإنسان عن احترامه لعلوم الأخلاق الحقيقية، بل يشرح ويفسر بدافع الرغبة لتحقيق النظام الأخلاقى الأسمى اعتمادا على التجارب العلمية.
يشرح هذا الكتاب أن جوهر علم الأخلاق الإنسانى قد تحرر وللمرة الأولى من الأفكار اللاهوتية والأيديولوجية التى اعتمد عليهما منذ الأزل، وتخلص هذا العلم مما علق به من غيبيات وأصبح حقيقة ملموسة فى عالمنا كقوانين الميكانيكا والطاقة.
- طرح باينس فى كتابه فكرة فيزيائية الأخلاق، وهى العلم الذى يساعد المرء ضمن نطاق الكون على التفاعل الطوعى والواعى مع الطبيعة بهدف الحصول على مكافأة متسامية، وهى على خلاف الأخلاقية التقليدية لا تعتمد على الإيمان، وإنما تعتمد على إدراك الإنسان والمعالجة الإرادية لمستوى وضعه العقلى ضمن نطاق الكون ككل، ويصل إلى هذه الحالة عن طريق إظهار ومعالجة الحالات الرفيعة وغير المألوفة للوعى، إضافة إلى تبنى قيم وانضباط داخلى أكثر سموا، حيث يؤدى كل منها إلى أعلى درجات النجاح والسعادة، والمقاربة التى تعتمدها فيزياء الأخلاق هى تقنية بالضرورة وتتركز على الفهم والاختبار الشخصيين لميكانيكا العمليات المتعلقة بالطاقة التى تميز العلاقة بين الطبيعة والكائن الإنسانى.
- أما الأخلاقية التقليدية فتعتمد على أسس دينية أو أيديولوجية تغرس بطريقة آلية وسلبية، وهذا يؤدى حتما إلى كبت الدوافع ما يؤدى أيضا إلى عواطف هدامة، كالشعور بالذنب فى الحالات التى تكون فيها التصرفات مضادة للمعايير الأخلاقية، والكبت ليس عملية صحية وبمرور الزمن تشكل حتما نوعا من مرجل شيطانى فى العقل اللاواعى، خبرات كانت شعورية تم تخزينها فى الذاكرة، لكنها تؤثر فى السلوك بطريقة لا شعورية.
وقد تعود إلى الوعى فى أى وقت، لهذا السبب يبدو أن تصعيد الغرائز هو الخيار الأفضل، وبما أن الأخلاقية التقليدية قمعية بشكل واضح ومتأصل لذلك يمكن اعتبارها آلية يحاول بواسطتها الفرد أن يتخلص من الأفكار أو الصور أو الذكريات أو يحتفظ بها فى لا وعيه، وكلها ترتبط بدوافعه الغريزية التى تنشأ فى "الهُوَ"، تستخدم عبارة "الهُوَ" أو "الهى" أو "الهذا" فى علم النفس والتحليل النفسى لذلك الجانب من الشخصية الذى يقع خارج "الأنا"، هو الجزء اللاواعى والأكثر عمقا من النفس، أى عالم الغرائز، على عكس الجزء الواعى منها الذى يدعى الأنا، لكن هذا الكبت لا يدرك؛ لأن هذه الدوافع تقع خارج نطاق السيطرة الواعية للفرد مع أنها تكمن فى داخله.
ورغم أن العقل الواعى لا يعرف الدوافع المكبوتة، فإن هذا لا يعنى أنها غير موجودة، ولهذا فهى تترسخ وتتراكم تدريجيا فى العقل الواعى إلى أن تصبح وظيفية ويترافق هذا بحدوث سلسلة من النتائج غير المرغوبة:
- إذا كان الكبت غير ناجح فإن الفرد سيستسلم لدوافعه، وسيسبب هذا لوم الذات ومعاقبتها والاستخفاف بها، وأخيرا يحدث الانتحار بصورة حتمية.
- إذا نجحت آلية الكبت فإنها ستعمل فقط على إذكاء النار تحت مرجل الغليان العاطفى للعقل اللاواعى، ما يؤدى إلى الإفراط فى تغذية الدوافع المكبوتة، وهذا بدوره يؤدى إلى تدهور السلوك الواعى للفرد، ونجاح الكبت هنا يكون مؤقتا عادة؛ لأن قوى الدفع تزداد بسبب تقييدها الذات، وهذا يسبب فى مرحلة ما عنفا وانفجارا غريزيا، وبالتالى شعور بالذنب.
- إن معظم الاضطرابات العقلية والعاطفية يسببها الكبت؛ لأن هذه الآلية تستتبع عادة نوعا من الفساد الخلقى الذى يكبت فيزيا الأخلاق على عكس الأخلاقية التقليدية تتطلب تدريبا تقنيا وواعيا وتأمليا، ليصبح الفرد واعيا لدوافعه بدلا من كبتها، ويحتفظ بها فى "أناه" الواعية، أى يواجهها، ويتولى أمر العناية التامة بها ويتقبلها على اعتبارها خاصة به مع أنها غير ملائمة للسلوك الأخلاقى الأسمى، وينبغى أن يعمل فى الوقت نفسه للتخلص من هذه الدوافع عن طريق التأمل الداخلى؛ لأنه كلما أخرجها إلى دائرة الضوء كان سلطانها عليه أضعف، وعلى العكس، تمارس هذه الدوافع تأثيرا غير متناسب على سلوكه إذا كُبتت فى عقله اللاواعى.
- فيزيا الأخلاق هى التدريب النفسى الذى يرشد المرء إلى مواجهة طبيعته الدنيئة، فهو ملزم بتطهيرها وتهذيبها والتسامى بها من الموضع النيِّر لـ"أناه"، وعليه أن يتحول إلى كائن إنسانى طاهر وشفاف فعلا دون شعور بالذنب أو الخطيئة، ويستجيب دون قسر لتصميم الخالق له؛ لكى يصبح مهندس مصيره الخاص، متحررا من خشية العقاب الإلهى.