محمد أبوحامد
ولمن لا يذكرون الله أبداً بطريقة صادقة أن يظهروا بمظهر المتدينين، ولمن لا يتحلون باللباقة أن يحطوا من قدر من يعرفونهم على حقيقتهم، ولغير الأخلاقيين أن يلتزموا بسلوك تقى و خيرى ظاهرياً، وللمهملين من ذوى الرواتب أن يحتفظوا بخداعهم فيما يتعلق بالمؤسسات، و للمرضى جنسيًا أن يتنكروا بقناع الطهارة والعفة.
هم عاجزون لوحدهم عن فهم معنى القيمة الذاتية لكى يثبتوا أنهم من ذوى الشأن، فهم موجودون نفسياً فقط من خلال الأخرين "جون باينس ".
يحتاج الفرد إلى أن يشعر بأنه مقدّر، و محترم، ومقبول، ومحبوب من قبل الآخرين، ويظن ويشعر بأن الآخرين سيقبلونه فقط إذا بدأ صالحا، ويعتقد أنه لن يكون مقبولاً أو محترماً إذا أظهر مواطن ضعفه.
ويتعامل مع نفسه على هذا الأساس، فهو نفسه غير قادر على تقبل مواطن ضعفه، والأهم من ذلك هو أن حاجة الفرد إلى الشعور بأنه محترم و مقبول ترتبط بحاجته إلى التأكد من أنه فرد، وتستحوذ الفردية على شخص ما على نحو مرضى فقط إذا قام أحدهم بتعزيزها عنده، لأن ذلك الشخص غير قادر على أن يكون فرداً مستقلاً و يختبر نفسه كفرد، فعالمه الداخلى ليس على درجة كافية من الاستقرار والقوة والاستقلال بحيث تجعله يشعر بالطمأنينة التى تعتمد على عواطفه و قدراته الخاصة.
فيستعيد هذا الشخص الراشد فى عالمه الراشد، ذكريات طفولته حول مشاعر الضعف و العجز حيث كان الآخرون "أبواه" لا يقبلون مواطن ضعفه، عندما كان يشعر بخوف شديد من أن أبويه إذا كفّا عن حبه فإنه سوف يموت، لأن الطفل فى السنوات الأولى من الحياة، يعتمد بصورة تامة و فعالة على رعاته من الكبار.
يتكون هذا النموذج فى الإطار الاجتماعى ويمكن تقييمه بالطريقة التى يتم فيها تقييم الشخصيات الحكومية البارزة، فلكى تحظى هذه الشخصيات بالاحترام، يتظاهر أصحابها بالطيبة على سبيل المراءاة، وهم عاجزون لوحدهم عن فهم معنى القيمة الذاتية لكى يثبتوا أنهم من ذوى الشأن، فهم موجودون نفسياً فقط من خلال الآخرين، و يحدث هذا مع الجميع إنما بدرجات متفاوتة.
فإذا أدركنا الأخلاقية الأصلية فإننا سوف نتغلب على عيوبنا، ونقائصنا بدلاً من أن نبدد طاقاتنا فى سبيل إخفائها و تعزيزها و حمايتها و بالتالى نتعلم معنى قيمة الذات، فالاقتناع العقلى بطريقة التصرف السليم تساعدنا على التخلص من خشية ألا نكون محبوبين أو مقبولين من قبل الآخرين، هذا العمل الكبير هو الواجب الأكثر روعة و جمالاً الذى يمكن للفرد أن يباشره، لأن هدفه ليس فقط الارتقاء الفردى الخاص، بل أيضاً تقديم نفسه كإسهام للمجتمع، كمثال لقيمة روحية تستحق التقليد، فإذا واصل المرء الهروب من عيوبه الخاصة عن طريق الإنكار الآلى لدوافعه الحيوانية و كبتها، فإن اعتلاله الروحى سيتفاقم بمرض عضال لا يعرف العلم دواء له.
يقول الفليسوف جون باينس: ويتكون العمل التمهيدى بفيزياء الأخلاق من فهم المرء لنفسه بصورة علمية و لنمط علاقته مع الطبيعة، ولتحقيق ذلك يجب عليه أن يضع سلسلة من المقدمات المعرفية يعتمد بعضها على فيزياء الكم و عليه أيضاً أن يضع اقتراحات لإجراءات يمكن إثباتها، وتنسجم مع الصدى الشامل لتصرفاته وفقاً لملكته الأخلاقية، ولفيزياء الأخلاق مجموعة عقائد منها:
نعيش فى عالم ذكى واعٍ مجسم التركيب، يقتصر فقط على نمط واحد للطاقة الأساسية التى تدخل مع الكون، عن طريق التداخل المتعدد الأبعاد فى وحدة مطلقة فى المستوى الأكثر عمقاً للحياة، ومهما يحدث لأصغر الجسيمات، فإنه يؤثر فى الوقت نفسه على كامل التركيب، لأن هناك علاقة لا تنفصم بين كافة أجزاء العالم.
الطبيعة حساسة تماماً للأفعال، والطاقات الحيوية التى تنبع من الكائن الإنسانى، و التى تحملها بشكل حتمى فى رحمها.
نحن كائنات هجينة تطورت من حيوانات، ولكننا أحرزنا بعض الصفات التى تميزنا عنها، صفات نسميها قدرات إنسانية، يجب أن نعمل على تطويرها، بواسطة أمر أخلاقى، إلى أقصى تعبير لها.
كل شخص مقدس أساساً لأنه يحمل فى داخله الشرارة المقدسة، أى فيض الخالق.
خُلقنا غير كاملين، وهكذا يجب على كل واحد أن ينجز مهمته، ويقوم بإكمال نفسه من خلال تجسد مادته، و على كل منا أن يفك شيفرة ظروفه الحياتية الخاصة لإحراز الحكمة والقيم المرافقة لها.
الهدف من حياتنا هو الارتقاء بالوعى الفردى، الذى يتكون فى الواقع، من خلال تطوير وتوسيع الصفات الإنسانية، التى تتعارض مع الصفات الحيوانية، مع أن هذا الهدف قد أُغفل تحت تأثير المطاردة غير المقيدة للحصول على المتعة الحسية كهدف رئيسى.
نحن كائنات مبدعة لأن الطاقة الفيزيائية التى تتولد فى أفكارنا، ومشاعرنا، وأفعالنا هى نبضات فوتونية حيوية تُقذَف إلى الفضاء لكى تتفاعل مع قوى الطبيعة الكونية بقدر ما تؤثر و تتأثر بها.
كل جسيم إنسانى يُعدّل الطبيعة بقذف فوتوناته الحيوية، فى حين تقوم الطبيعة، فى الوقت نفسه، باستقبال الطاقة التى تحتاجها لتجديد التوازن الكونى من خلال تصرفنا .
النظير يجذب النظير حالما يتم الحمل به فى رحم الطبيعة، حتى إذا كانت إصدارات الفرد بناءة، وإيجابية، و منسجمة فإنه سوف يُجازى بتدبير مكافئ.
يعود التوازن الطبيعى على الجانى بتفاعل سلبى مكافئ إذا كان قذفه للطاقة هداماً، أو قذراً، أو إجرامياً، و يزداد هذا التفاعل قوة بدرجة مهمة، ويمكن تفسيره على أنه عقاب عادل جزاء الانتهاك الأخلاقى.
الحيِّز الكونى مترابط من الناحية التجسيمية، والفرد يتفاعل مع الطبيعة بصورة مستمرة وغير مقصودة، وبهذا يحافظ على استمرار التغذية الراجعة بالطاقة، مع النتائج المذكورة آنفاً.
سوف ندفع حتماً ثمن خطايانا و نُكافأ على فضائلنا، بغض النظر عن رأينا حول المسألة، ولا يُفترض بأحدهم أن يصدق هذا لكى يحصل على الثواب أو العقاب الذى يناسب نوعية إصداراته الشخصية.
من يُخطئ يدفع بغض النظر عن نواياه، سواء كانت حسنة أو سيئة .
مفهوم وحدة الكون ليس جديداً لأن العالم، كما يقول أرسطو: منظم بطريقة فيها تتفاعل كافة أجزائه وكأنها كائن حى، و قد أثبت هذا مؤخراً عالم الفيزياء المشهور ديفيد بوم، فى مؤلفاته حول " الوحدة الكليّة التركيبية للكون "، و بطريقة مماثلة يمكن اختبار المقدمات المنطقية التى وردت أعلاه بصورة عملية فى معركة الوجود اليومى، و ذلك عن طريق معاينة قانون العلة والمعلول و كيف يحدد بعناد أقدار الناس.