محمد أبو حامد
يقول الفليسوف الأمريكى، جيمس مورلاند: "حين نستعمل مصطلح الإرادة الحرة نعنى به ما يسمى الحرية بدون قيود، ففى وجود خيارات "أ" و "ب" يمكن للشخص بالفعل أن يختار أن يفعل أىِّ منهما، فلا توجد ظروف كافية تحتم عليه اختيار أحدهما، فيرجع اختيار الشخص إليه، وإذا ما فعل واحدًا منهما فقد كان بمقدوره فعل خلاف ذلك، أو على الأقل كان بمقدوره الامتناع عن فعل أى شئٍ على الإطلاق".
الآن حين يتعلق الأمر بالأخلاق، فلو أن مذهب الحتمية -أى أن الإنسان مسير لا حرية له- صحيح سيقول البعض بأنه من الصعب أن نبرر منطقيًا الالتزامات والمسئوليات الأخلاقية، إنهما يفترضان مسبقًا حرية إرادة غير مقيدة، فلو أن على أحدهم فعل شيئ ما يبدو ضروريًا، فإن هذا يحتم الافتراض، أى أنه يستطيع فعله بالمعنى التحرُّرى.
لو أن المذهب الفيزيائى المادى صحيح فليس للمرء قدرة حقيقية على اختيار أفعاله، وبالتالى فليس من المغالاة القول إن المذهب المادى يتطلب تعديلًا جذريًا للعديد من أفكار الناس البديهية عن الحرية، والالتزام، والمسئولية الأخلاقية، والعقاب، وعلى الجانب الآخر لو أن هذه الأفكار البديهية حقيقية، فإن المذهب الفيزيائى باطل".
ويقول الفليسوف الأمريكى ألفن بلانتينجا: "نؤمن جميعًا ـ ما عدا من أفسدتهم الفلسفة الماديةـ بأن في كثير من الأحداث كان بإمكاننا فعل شيئ مختلف عما فعلناه بالفعل، وهذا يبدو لى جزء مما يؤمن به المرء بشكل غريزى، فنحن نؤمن غريزيّا بوجود أناس آخرين، وبوجود عالم خارجى، وهلمّ جرّا، ونؤمن أيضًا بنفس الطريقةـ أى غريزيًا وأوليًاـ بأنه فى العديد من الأحداث كان بوسعنا فعل شيئ مختلف عما فعلناه.
بالفعل نحن لا نؤمن بهذا غريزيًا، فحسب بل نؤمن غريزيًا بأمور أخرى تتضمن على سبيل المثال أن بعض الأفعال خاطئة وتستحق اللوم أو حتى العقاب، إنه لو لم يكن ممكنًا لشخص ما ألا يفعل ما فعل فى حدثٍ ما حينها، فإن فكرة اللوم كلها وفكرة تحميل الشخص مسئولية فعلته لن تبدو منطقية.
تكلمنا من قبل عن قصة مسرحية مأساة إبليس، وكيف أن لهذه القصة تأثير واضح على الفكر الإنسانى سواء الدينى أو الفلسفى أو الأخلاقى، وذلك لارتباطها بركن الإيمان الأعظم فى جميع الأديان السماوية، وهو : "الإيمان بالله و كماله وقضائه وقدره، كما إنها ترتبط بقضية الصراع بين الخير و الشر، وقد حاول إبليس جاهدًا فى هذه القصة أن يثبت أن وقوع المعصية منه بعدم السجود لآدم كان بتقدير الله عز و جل، ومشيئته وليس باختياره هو، حتى يوهم بأنه كان ضحية التمزق بين المشيئة والأمر، وأن جزاء الله -عز وجل- له بالطرد من رحمته، وتخليده فى النار متعارض مع العدالة الإلهية المطلقة، وهذه المزاعم غير صحيحة:
إن المشيئة الإلهية فى حقيقتها لا تُرد، وهى نافذة فى جميع الأحوال، وبالتالى فإنها لن تتوقف على إبليس وتفاعله مع الأمر الصادر، لن يعليها ويثبتها أن يتصرف بشكل، ولن يهدمها أن يتصرف بشكل آخر، وبالتالى من غير المنطقى إذن أن يتوهم من يدّعى مأساة إبليس أن المشيئة بحاجة إليه يثبتها إن عصى الأمر، ويهدمها إن أطاعه، فلا مكان لفكرة التمزق بين المشيئة والأمر وادعاء أن إبليس ضحى بنفسه فى سبيل إعلاء هذه المشيئة.
فالمشيئة الإلهية فى دائرة قدرة الله المُطلقة، ومن غيبة المحجوب لن يغيرها مخلوق عصى أم أطاع، وهى ليست واجبًا فكونها غير محجوب يخرجها عن دائرة الاختبار التى تقتضى مقومات الفاعلية الثلاثة، وهى : الإرادة المختارة، والاستطاعة، والعلم التى يصبح بها المخلوق مسئولًا عن أفعاله، ويكون مستحقًا للجزاء، وما لا يكون فى متناول الاختيار فإنه لا يوصف بالواجب، فالواجب : "هو التزام واع يقوم على الاختيار، وبما أن الأمر هو الصلة الوحيدة بين الخالق والمخلوق، وبما أنه يقع فى دائرة وعى المخلوق، ويتعرض لعملية اختياره، فإن طاعة الأمر هى الواجب المطلق، وهى التعبير الوحيد للمخلوق عن تسليمه لخالقه، وإيمانه به، واعترافه بهيمنة مشيئته، والحكم الأخلاقى من جانبنا نحن المخلوقين على المخلوق إبليس لا يمكن أن يقاس إلا بمقياس أدائه، لهذا الواجب المطلق الذى يتمثل بدوره فى طاعة الأمر، والتسليم له.
أما الحكم من جانب الله كما ورد فى القرآن على إبليس بالطرد واللعن فهو لم يترتب على عصيان إبليس للأمر فقط، أو لمجرد أنه سأل عن حكمة الأمر، فهذا غير صحيح، فالملائكة أيضًا سألوا نفس السؤال، إلا أن إبليس رفض وتكبر وأبى السجود، وطاعة أمر خالقه، بينما الملائكة سكتوا ثم سجدوا طاعة لأمر خالقهم.
والحقيقة أن لعن وطرد إبليس من رحمة الله، إنما ترتب على تشكيك إبليس فى صواب أمر الله واستكباره على حكمته، فقال معترضًا على أمره له بالسجود لآدم -عليه السلام- كما ورد فى سورة الأعراف آية 12 : "قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ"، فعاب إبليس على الله أن يأمره بالسجود لآدم عليه السلام، وظل متكبّرًا أنه أفضل منه لمجرد أن آدم خلق من طين، وأن المفاضلة بينه وبين آدم مفاضلة بين نار وطين، متجاهلاً أن الإنسان ليس إنسانًا بطينه، وإنما بالنفخة السامية من روح الله، فإبليس خَطَّأَ الله تعالى، وجحد صواب حكم الله، وكفر به.
هذا ومن المعروف أن إبليس من الجن الذى له حرية الإختيار فى الأفعال، ورفعه الله مع الملائكة لأنه كان فى وقت سابق لهذا الأمر لا يعصى الله ما أمره، ويفعل ما يؤمر، ولكن عند منعطف هذا الاختبار، ومعرفة أن هناك مخلوقًا آخر يمكن أن يكون أفضل منه، أحرقته نار الغيرة، وملأ قلبه الغرور، إذن فمن وسوس لإبليس أن يعصى ربه، ومن يتحمل المسئولية؟، و الإجابة المباشرة: إننا لا نعرف خلقًا آخر لنقول إنه الذى وسوس لإبليس، فإبليس لم يوسوس له أحد وهو فعل ذلك من نفسه، نعم "نفس إبليس" هى من وسْوست له، وبالتالى هو من يتحمل المسئولية عن تكبره على أمر الله ومعصيته إياه، وبعد أن وسْوست له نفسه وضللته احترف مهنة الوسوسة، ليوسوس فى صدور الناس.