محمد أبوحامد
يقول الدكتور محمد عابد الجابرى: من المسائل الأساسية التى يهتم بها الفكر الفلسفى الحديث والمعاصر ما يعبر عنه بالمشكلة الأخلاقية، وهى تتلخص فى السؤال التالى: على أى أساس تقوم الأخلاق؟ وبعبارة أخرى ما الذى يؤسس الحكم الأخلاقى؟ علام نستند عندما نحكم على هذا السلوك أوذلك بأنه خير أم شر، حسن أو قبيح ؟ هل على مجرد كونه يحقق لنا لذة أو منفعة أو يسبب لنا ألماً أو مضرة؟ هل لأنه يتفق أو لا يتفق مع ما تجرى به العادة والعرف الاجتماعى؟ هل لأن الدين يأمر به أو ينهى عنه ؟ هل لأن العقل يستحسنه أو يوجبه أو يشنعه أو يمنعه ؟ هل لأن الضمير يقبله أو يرفضه، يرتاح له أو ينفر منه؟ كل هذه العناصر:" اللذة، الألم، العرف، الدين، العقل، الضمير"تصلح بهذه الدرجة أو تلك لأن تعتبر أساساً ومحدداً للأخلاق والقيم.
قد وقع التمييز داخل الفكر الإسلامى، و منذ وقت مبكر، بين أحكام الشريعة و مكارم الشريعة، الشئ الذى انعكس على بنية الفقه الإسلامى نفسه، إذا صار يميز فيه بين الأحكام الشرعية والآداب الشرعية.
ومع ذلك فقد بقى الفقه الإسلامى مشغولًا، طوال عصور مديدة من تاريخه، بالأحكام وأدلتها وكيفية استنباطها ووجوه تطبيقها إلى آخر ذلك، بينما اعتبرت آداب الشريعة كملحق أو فصل إضافى، يكرر اللاحقون فيه ما ذكره السابقون بدون مناقشة أو اجتهاد.
نعم لقد خصصت فى العصور المتأخرة مؤلفات للآداب الشرعية ولكنها لم تكن تختلف عن الجوامع أى الملحقات بكتب الفقه إلا فى الكم، أما المضمون فواحد، وأهم من هذا أنها لم يكن ينظر إليها كبديل للمؤلفات فى الأخلاق، بل لقد تجوهلت تماماً عندما حصل الوعى لدى بعض الفقهاء بضرورة كتابة مؤلفات فى الأخلاق.
ونريد أن نخلص من هذه الإشارة السريعة إلى طبيعة العلاقة بين الفقه والأخلاق إلى النتيجة التالية: إن النص الدينى فى الحضارة العربية الإسلامية قد ترك للأخلاق مجالها الخاص، الواسع العريض.
وهذا الوضع ينتج عنه أن الدين فى الإسلام ليس وحده هو أساس الأخلاق، ليس وحده مصدر الحكم الأخلاقى، و بالتالى يمكن القول: إن الأساس الذى يقوم عليه الحكم الأخلاقى فى الثقافة العربية الإسلامية هو العقل.
إن معنى العقل فى اللغة العربية وبالتالى فى الفكر العربى، يرتبط أساساً بالسلوك و الأخلاق، قال فى لسان العرب:" العقل: والحجر والنهى، ضد الحمق، والعاقل هو الجامع لأمره ورأيه".
أيضاً العاقل من يحبس نفسه ويردها عن هواها، وسمى العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن التورط فى المهالك أى يحبسه، وفى الفروق فى اللغة:"العقل هو العلم الأول الذى يزجر عن القبائح، و كل من كان زاجره أقوى كان أعقل "، وفى العقد الفريد لابن عبد ربه : " لا مروءة لمن لا عقل له ".
إن الفكرة المركزية التى اختصرت فيها آراء أفلاطون الأخلاقية، هى نظريته فى قوى النفس، و قد تبناها جالينوس: "النفس عندهما تتجاذبها ثلاث قوى: قوة شهوانية و مركزها البطن و هى تطلب الملذات، و قوة غضبية، ومركزها القلب تنفعل بالغضب وما فى معناه، وقوة عاقلة ومركزها الرأس ووظيفتها المعرفة، ولكل واحدة من هذه فضيلة خاصة بها.
ففضيلة النفس الشهوانية العفة، وفضيلة النفس الغضبية الشجاعة، وفضيلة النفس العاقلة الحكمة، والحياة الخلقية الفاضلة تحصل للإنسان ككل عندما تكون كل من النفس الشهوانية والنفس الغضبية تحت القيادة الحكيمة للنفس العاقلة.
فالفضيلة العليا التى هى العدالة إنما تتحقق بتحكيم العقل، فأساس الأخلاق فى الموروث اليونانى الأفلاطونى الأرسطى، إذن، هو العقل الذى يعنى فى الوقت نفسه المعرفة و التجربة، وإن ما جعل من هذا العقل قوة متحركة دينامية هو: التحليل والمناقشة المستفيضة، إما على صورة حوار كما عند أفلاطون أو على صورة سلسلة من الاستدلالات و الشكوك و الحلول كما عند أرسطو .
إن أهم أهداف تجديد الفكر والخطاب الدينى هو: إعادة الاعتبار للعقل البشرى ومكانته، يقول الأستاذ العقاد فى منزلة العقل فى كتاب الله: "والقرآن الكريم لا يذكر العقل إلا فى مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتى الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة فى سياق الآية، بل هى تأتى فى كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر فى كل معرض من معارض الأمر والنهى التى يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أويلام فيها المنكر على إهمال عقله و قبول الحجر عليه".