حنان أبو الضياء
إذا أردت رؤية تطبيق فعلى لمقولة الفنون جنون ستجدها متجسدة من لحم ودم فى صورة المخرج العبقرى أليخاندرو جونزاليز إيناريتو، ذلك الصوت الذى ظل مألوفًا لسنوات طويلة لمستمعى موسيقى الروك فى المكسيك، ولكن يبدو أن موهبته كانت عابرة للقارات والأزمنة والفنون، متشابكة بسلسلة من الهواجس والهموم والأحلام الممتزجة بمآسى الحياة اليومية فى الفقر والمرض والموت، لتخلق سينما ذات مفردات وعناصر تلامس الوجدان الإنسانى فيحصد بها الجوائز.
هذا المجنون الذى عذب العاملين معه فى فيلم "العائد" لمدة 9 شهور كاملة وكادوا يموتون، بسبب سوء الطقس ومع ذلك استمر، بل أنه تجاوز جنونه إلى حد قوله أنه كان يضع فى الحسبان فقدان 10% من العاملين معه لإنجاز هذا العمل!.
أليخاندرو، 55 عامَا أول مكسيكى يرشح فى الفئات الرئيسية لجوائز الأوسكار مع "بابل" عام 2006، وتنبأ له الكثيرين قبل أكثر من 20 عامًا، أنه سيحقق الشهرة فى هوليوود.
رغم أنه كان مشهورًا فى الثمانينيات كمقدم فى الإذاعة الموسيقية "دبليو إف إم" إلا أنه قرر تجربة حظه فى السينما، ولما لا وهو المغامر الذى قرر فى سن التاسعة عشرة الإبحار على سفينة شحن متجهة إلى أوروبا وإفريقيا.
يصف نفسه "بالموسيقى المكبوت"، قالت عنه فانيسا بوش بطلة "اموريس بيروس": "أليخاندرو صاحب رؤية ويتمتع بمهارة عالية وبمواهب متعددة ويسعى إلى الكمال".
والمخرج المكسيكى يرى أنه كلما أنجز أفلامًا تراجعت معرفته وفهمه لها، وكلما تراجعت معرفته، أحب أكثر إنجاز الأفلام، وكلما زاد حبه لها قلت رغبته فى معرفة ما هو معنى إنجاز الأفلام.
فيلمه "21 جرامًا" يجيب على سؤال غاية فى الخطورة، ما حقيقة 21 جرامًا التى نخسرها لحظة موت، كل واحد منا، مقدمًا حكايته وتأملاته فى النفس البشرية، من خلال فكرة الموت، وحكاية ثلاث شخصيات، كل واحدة منها تربطها بالموت علاقة خاصة، فهناك من مات قريبه، وهناك من سيموت بذاته، وهناك ثالثٌ كان سببًا فى موت فتاتين صغيرتين مع أبيهما الشاب، مؤكدًا أن المعاناة والألم تجمع الجميع دون استثناء.
وفى الواقع أنا عاشقة لفيلمه "العائد"، تحفة ليوناردو دى كابريو، أحد الأعمال التى ترتبط بكل ثانية بها بداية من الـ"أفان تتر" الذى استغله المخرج فى العزف على مأساة البطل فى رحيل زوجته وابنه، وإن كان كل واحد منهما رحل فى ظرف مأساوى مختلف، واستطاع الثنائى أليخاندروا ومدير التصوير إيمانويل لوبزكى، الذى قدم المخرج معه معظم أعماله، وخاصة الرجل الطائر، ابهارنا بإيقاع لاهث لا يعرف الخمول وكادرات مبهرة تنقل الطبيعة بكل جمالها ووحشيتها متنوعة مستخدمًا زوايا مختلفة لها القدرة على التعبير على ما يريده المخرج.
أليخاندرو جونزاليز إيناريتو، من مواليد 15 أغسطس 1963، وهو مخرج وكاتب ومُنتج أفلام ومؤلف موسيقى مكسيكى، ترشح لـ9 جوائز أوسكار، وفاز بخمسة منها، وهو أول مخرج يفوز مرتين على التوالى عن فئة أفضل مخرج منذ فوز جوزيف مانكيفيتس فى منتصف القرن الماضى، ويُعد ثانى مخرج مكسيكى يحصل على جائزة الأوسكار لأفضل مخرج بعد ألفونسو كوارون، فى 2014، وهو أيضًا أول مخرج مكسيكى المولد يفوز بجائزة أفضل إخراج فى مهرجان كان السينمائى، عن فيلم بابل فى 2006.
وأخيرًا عودًا حميدًا يا أليخاندرو.. مجنون السينما الرائع دومًا.