محمود بسيونى
لم يكن الخطر الذى حاق بالشعوب العربية مرتبط فقط بضياع الدول والجيوش الوطنية وسيطرة الإرهاب لأول مرة على مساحات واسعة من الأراضى العربية، وإنما الأخطر كان ذلك الضعف العربى المهين فى مواجهة القضايا التاريخية الكبرى، وعلى رأسها الحق العربى فى فلسطين.
تخيل أنه فى العام الذى ضاعت فيه القدس كانت المنظمات الإخوانية الممولة قطريًّا تفتح النار على مصر والسعودية والإمارات والبحرين وليبيا وسوريا والعراق واليمن تحت قبه المجلس الدولى لحقوق الإنسان، ولا جلسة لمناقشة الأوضاع الإنسانية فى فلسطين، وفى اليوم الذى تعتزم فيه الولايات المتحدة التنازل عن الجولان السورية لإسرائيل، ترسل قطر دمى الإخوان لمهاجمة التعديلات الدستورية المصرية فى الكونجرس الأمريكى لتشويهها دوليًّا واستعداء الغرب ضد مصر.
قطر التى عُزف على أرضها قبل أيام السلام الوطنى الإسرائيلى، قدمت لدولة الاحتلال ما هو أخطر من وعد بلفور، لقد غرزت سكاكينها الإعلامية الحادة فى العصب العربى، دفعت مليارات الدولارات لتشويه وتقسيم كل الجيوش العربية ولا زالت، مزقت ما تبقى من التضامن والثبات وشوهت عملية السلام بتدخلاتها، ودفعت بتمويلها للإرهاب كل الدول العربية إلى الانكفاء على ذاتها فى محاولة للتخلص من ذلك الفيروس الدموى الذى كبّد العرب خسائر أكبر من كل المواجهات التى تمت مع الاحتلال الإسرائيلى.
الأخطر من ذلك، هو الاستخدام السياسى لمنظمات حقوق الإنسان، وبشكل يتعارض مع قواعد الأمم المتحدة التى ميزت بين المنظمة الحقوقية والحزب السياسى، أن يعقد التمويل الحرام تحالفًا مشينًا بين نشطاء حقوق الإنسان وقادة جماعة الإخوان المصنفة ارهابيا فى عدد من دول العالم، وأن يسقط القناع عن وجوه مثل بهى الدين حسن ومعتز الفجيرى وعمرو واكد وخالد أبوالنجا وعصام حجى، لطالما تغنت علينا بالحرية وحقوق الإنسان، بينما هم يعملون بأجر لدى تنظيم متطرف إقصائى يستخدم مبادئ حقوق الإنسان، لكنه لا يؤمن بها.
بالقطع لا يوجد عداء بين مصر والولايات المتحدة، بل يربطهما علاقات استراتيجية قوية مهمة وحيوية لصالح الشرق الأوسط وقضاياه، لكن هناك فرقًا شاسعًا بين العلاقات الاستراتيجية وبين التدخل فى أمور السيادة واستقلال القرار الوطنى، وإجراءات تعديلات على الدستور هو شأن برلمانى مصرى خالص، لا يهم سوى المصريين، فلا أمريكا يمكن أن تقبل من مصر نصيحة إذا ما أقدمت على تعديل دستورها، وكذلك مصر.
لقد ودعت مصر عصر الفوضى والإملاء الأجنبى الذى شاب فترة التخبط وانعدام الوزن التى أعقبت أحداث 25 يناير، وضحى شعبها بالغالى والثمين مع قواته المسلحة على جبهات القتال ضد الجماعات الإرهابية ومنعهم من السيطرة على سنتيمتر واحد من أرضه من أجل كرامته واستقلال بلاده، قاوم فى ذروة اشتداد الأزمات والنكبات، وضرب الجيش المصرى أروع نماذج الفداء وكان على قدر المسؤولية التاريخية فى إدارة المرحلة الانتقالية، ثم الاستجابة لنداء التحرر من الفاشيست الإخوان فى 30 يونيو وبعدها خاض بكل شجاعة معركة استدامه الأمن والاستقرار والبناء، لتتمكن مصر من العودة مرة أخرى لمساعدة أشقائها العرب والأفارقة، وتتبنى خطابا إنسانيًّا يبحث عن التكامل ويعلن الحرب على التطرف.
تلك هى الحقيقة التى يرفضها من وضعوا أيديهم فى أيدى الفاشيست الإخوان، من يضللونا بالحديث عن الحريات، بينما الإرهاب يركب على ظهروهم.