البث المباشر الراديو 9090
محمود بسيونى
تشغل إفريقيا حيزا كبيرا من تفكير كثير من الدول الصناعية الكبرى، ‏قارة شابة غنية بالثروات المعدنية والفرص الاستثمارية، ورغم ذلك ‏لا زالت تكافح الفقر والبطالة، وتعانى من التجارب التنموية المتعثرة التى لم ‏تحقق ما كان مأمولا منها، الدول الكبرى تشعر بقلق بالغ من موجات ‏الهجرة القادمة من الجنوب وغالبيتها من دول إفريقية، وتسعى بشتى ‏الطرق لإغلاق أبوابها أمامها رغم أنها بذلك تنتهك اتفاقيات عدة لحقوق ‏الإنسان وضعتها تلك الدول لنفسها.

رغم ذلك الرفض للاجئين الهاربين من النزاعات والفقر والبطالة، ‏تسعى تلك الدول وحكوماتها لعقد الاتفاقات والتواجد فى دولهم بحثا عن ‏الثروات والفرص، دونما اعتبار للإنسان وحقه فى التنمية، مشهد يشبه ‏كثيرا ما حدث فى القرن الماضى خلال فتره الاستعمار المرعبة التى ‏خلفت آثارا وتشوهات لم تتعاف منها إفريقيا بعد‎.

وكان السؤال المعلق لسنوات، لماذا لا تتعاون الدول الإفريقية مع بعضها ‏البعض للخروج من ذلك المأزق؟ والاتفاق على السير فى طريق يعيد ‏الأمل للأفارقة ويوقف موجات الهجرة ويستعيد الأمان والاستقرار ببرنامج ‏تنموى حقيقى يعظم ثروات القارة ولا يبددها، ما الطريق لاستعادة الحلم ‏الإفريقى؟

أتصور أن الإجابة تبدأ من وضع الاتحاد الإفريقى لأجندة 2063، واتفاق ‏القادة الأفارقة على توقيع اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية، التى دخلت حيز ‏التنفيذ خلال القمة الطارئة والتاريخية للاتحاد فى دولة النيجر، وهى ‏الاتفاقية التى أعطاها وجود مصر فى رئاسة الاتحاد دفعه قوية من أجل الخروج للنور بعد 17 عاما من المفاوضات الصعبة، لتضع إفريقيا ‏أقدامها على طريق التنمية الذاتية بسواعد أبنائها وتنفض عن كاهلها ‏هواجس التدخل الخارجى.

زيادة التجارة البينية ورفع معدلات الاستثمارات الإفريقية المتنقلة بين دول ‏القارة، كان حلما للآباء المؤسسين للاتحاد الإفريقى، وبالتأكيد كان مصدرا ‏لفخر الجيل الحالى من القادة الأفارقة الذين وضعوا أساس ولبنه "أكبر ‏فضاء تجارى فى العالم" والذى يحقق للقارة جزءا كبيرا مما تبحث عنه، ‏زيادة التجارة تجذب الاستثمارات التى بدورها ترفع معدلات التشغيل ‏وتوفر فرص العمل، وتزيد من القدرات التنافسية لدول القارة، فضلا عن أن العمل المشترك يوقف ماكينة إشعال الحرائق والنزاعات التى شغلت ‏القارة سنوات طويلة، وأضعفت استقرارها وصنعت مآسٍ لشعوبها‎.

أكثر من مليار نسمه يتطلعون لنتائج الاتفاقية التى ستدر حوالى 3.4 ‏تريليون دولار على دولها وبالتالى شعوبها، كما تعزز التجارة البينية فى ‏القارة بنسبة 60% بحلول عام 2022، والبداية من الشمول المالى، ‏والتطبيق الحاسم لمنظومة إلكترونية موحدة للدفع ومركز معلومات لرصد ‏التجارة الإفريقية، على أن‎ ‎المنطقة التجارية جاهزة للعمل بدءًا من الأول ‏من يوليو 2020، وهو ما يُتيح للدول الأعضاء التكيّف مع التغييرات التى ‏ستطرأ.

لا شك أن الاتفاقية دفعة قوية للدول والشعوب، وبداية لاتحاد حقيقى بين ‏الدول الإفريقية، لن أقول على غرار الاتحاد الأوروبى، ولكن ننتظر ‏تجربة جديدة ترسمها إفريقيا لكل الدول النامية فى العالم يساهم فيها القطاع ‏الخاص والمجتمع المدنى مع الحكومات، يبنى على تجارب الشباب ورواد الأعمال، حتى تصل إفريقيا إلى محطة التكامل الحقيقى بعد سنوات ‏من الصراع والتشاحن الإفريقى الذى دعمته أطراف إقليمية ودولية تريد ‏أن تنفرد بكل دولة على حدة، حتى تمتص ثروتها وتمنعها من النمو ‏والتقدم.

الاتحاد الإفريقى بهذا الاتفاق يتحول إلى قوة دولية حقيقة داعمة لاستقرار ‏دولة، ويعطى لدولة النامية فرصة للتقدم والتحول إلى نمور اقتصادية ‏تقود الأفارقة لقرن جديد من الرخاء والتنمية المستدامة، يتخلص فيها ‏الإنسان الإفريقى من ثلاثية الفقر والتخلف والفساد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز