محمود بسيونى
رغم ذلك الرفض للاجئين الهاربين من النزاعات والفقر والبطالة، تسعى تلك الدول وحكوماتها لعقد الاتفاقات والتواجد فى دولهم بحثا عن الثروات والفرص، دونما اعتبار للإنسان وحقه فى التنمية، مشهد يشبه كثيرا ما حدث فى القرن الماضى خلال فتره الاستعمار المرعبة التى خلفت آثارا وتشوهات لم تتعاف منها إفريقيا بعد.
وكان السؤال المعلق لسنوات، لماذا لا تتعاون الدول الإفريقية مع بعضها البعض للخروج من ذلك المأزق؟ والاتفاق على السير فى طريق يعيد الأمل للأفارقة ويوقف موجات الهجرة ويستعيد الأمان والاستقرار ببرنامج تنموى حقيقى يعظم ثروات القارة ولا يبددها، ما الطريق لاستعادة الحلم الإفريقى؟
أتصور أن الإجابة تبدأ من وضع الاتحاد الإفريقى لأجندة 2063، واتفاق القادة الأفارقة على توقيع اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية، التى دخلت حيز التنفيذ خلال القمة الطارئة والتاريخية للاتحاد فى دولة النيجر، وهى الاتفاقية التى أعطاها وجود مصر فى رئاسة الاتحاد دفعه قوية من أجل الخروج للنور بعد 17 عاما من المفاوضات الصعبة، لتضع إفريقيا أقدامها على طريق التنمية الذاتية بسواعد أبنائها وتنفض عن كاهلها هواجس التدخل الخارجى.
زيادة التجارة البينية ورفع معدلات الاستثمارات الإفريقية المتنقلة بين دول القارة، كان حلما للآباء المؤسسين للاتحاد الإفريقى، وبالتأكيد كان مصدرا لفخر الجيل الحالى من القادة الأفارقة الذين وضعوا أساس ولبنه "أكبر فضاء تجارى فى العالم" والذى يحقق للقارة جزءا كبيرا مما تبحث عنه، زيادة التجارة تجذب الاستثمارات التى بدورها ترفع معدلات التشغيل وتوفر فرص العمل، وتزيد من القدرات التنافسية لدول القارة، فضلا عن أن العمل المشترك يوقف ماكينة إشعال الحرائق والنزاعات التى شغلت القارة سنوات طويلة، وأضعفت استقرارها وصنعت مآسٍ لشعوبها.
أكثر من مليار نسمه يتطلعون لنتائج الاتفاقية التى ستدر حوالى 3.4 تريليون دولار على دولها وبالتالى شعوبها، كما تعزز التجارة البينية فى القارة بنسبة 60% بحلول عام 2022، والبداية من الشمول المالى، والتطبيق الحاسم لمنظومة إلكترونية موحدة للدفع ومركز معلومات لرصد التجارة الإفريقية، على أن المنطقة التجارية جاهزة للعمل بدءًا من الأول من يوليو 2020، وهو ما يُتيح للدول الأعضاء التكيّف مع التغييرات التى ستطرأ.
لا شك أن الاتفاقية دفعة قوية للدول والشعوب، وبداية لاتحاد حقيقى بين الدول الإفريقية، لن أقول على غرار الاتحاد الأوروبى، ولكن ننتظر تجربة جديدة ترسمها إفريقيا لكل الدول النامية فى العالم يساهم فيها القطاع الخاص والمجتمع المدنى مع الحكومات، يبنى على تجارب الشباب ورواد الأعمال، حتى تصل إفريقيا إلى محطة التكامل الحقيقى بعد سنوات من الصراع والتشاحن الإفريقى الذى دعمته أطراف إقليمية ودولية تريد أن تنفرد بكل دولة على حدة، حتى تمتص ثروتها وتمنعها من النمو والتقدم.
الاتحاد الإفريقى بهذا الاتفاق يتحول إلى قوة دولية حقيقة داعمة لاستقرار دولة، ويعطى لدولة النامية فرصة للتقدم والتحول إلى نمور اقتصادية تقود الأفارقة لقرن جديد من الرخاء والتنمية المستدامة، يتخلص فيها الإنسان الإفريقى من ثلاثية الفقر والتخلف والفساد.