محمود بسيونى
ثم لماذا اختارت لفظ "التيار المدنى"، ولماذا لم تطلق على أنفسها التيار الاشتراكى أو أحزاب اليسار أو قدامى الشيوعيين "من أجل تمكين الإخوان"، لتكون أقرب للواقع والحقيقة، وهل استلهمت الاسم من التيار المدنى العراقى، الذى اتخذ الاسم ليميز نفسه عن الأحزاب الدينية والطائفية، أم طُلب منها اتخاذ ذلك الاسم حتى يبدو المشهد أمام العالم أن هناك معارضة مدنية فى مصر تقول نفس كلام الإخوان.
لا يوجد تيار مدنى ديمقراطى فى العالم يتحالف مع أحزاب دينية لها نشاط إرهابى إلا فى مصر، تعاونت هذه الأحزاب مع الإخوان ولا يزال موقفها اغامض من بقاء حزب دينى آخر وهو النور، رغم أن كلاهما يرفض مدنية الدولة بشكل قاطع ويسعى لتأسيس دولة دينية فى مصر لا مكان فيها لا لتيار مدنى ولا غيره، تيار غريب لم يتعلم من درس التخلص من اليسار فى إيران بعدما أصبحت السياسة للملالى فقط.
بالتأكيد نحن لسنا أمام تيار مدنى حقيقى ولا حتى أحزاب بالمعنى المفهوم، نحن أمام طفيليات سياسية نبتت على جوانب تجربة سياسية مشوهة بدأت فى السبعينيات، حيث كان يدرس رموز ذلك التيار فى الجامعة مع رموز جماعة الإخوان الإرهابية، وأصبحت بينهما علاقات سياسية ممتدة، فكلاهما كان ينسق مع الآخر فى الانتخابات البرلمانية، وكانت الأحزاب اليسارية تفضل دائمًا التحالف مع جماعة الإخوان فى الانتخابات، وتحصل على مقاعد من خلال قوائمها أو تصويتها فى بعض الأحيان، لا من مؤيدى هذه الأحزاب، بمعنى أدق تنتظر حصتها من فضلات الجماعة الإرهابية، وأتضح ذلك أكثر بعد 25 يناير حينما ظهر حمدين صباحى، أحد رموز ذلك التيار فى مكتب المرشد للاتفاق على مقاعد للتيار فى البرلمان، وهو الاتفاق الذى لم يتم وتقاسم الإخوان والسلفيون المقاعد تاركين لها الفتات.
وأصيب ذلك التيار بحالة من الخلل بعدما اختفى الإخوان من المشهد، فهو لم يتعود على العمل السياسى والجماهيرى الحقيقى، فهناك فرق شاسع بين جمهور الندوات وجمهور الشارع العادى، وانحسرت الأضواء تمامًا عنها بعد 30 يونيو، وانتهى ظهوره اليومى المكثف الذى كان يفتح الطريق أمامها للتربح المادى من الحديث للقنوات الأجنبية، واختفى قليلًا حتى لا يصطدم بغضب الشارع المؤيد للدولة، ثم عاد مع التصعيد الإخوانى ضد الانتخابات الرئاسية الماضية ليمارس دوره الوحيد الذى يجيده وهو دور السنيد للإخوان، ودعا لمقاطعة الانتخابات، وكرر نفس اللعبة فى التعديلات الدستورية بينما كان من المفترض دعوة المواطنين للتصويت بلا حتى يؤكد وجوده السياسى.
حسنًا فعل البرلمان بدعوة ذلك التيار للحضور ومناقشة رأيه المعارض للتعديلات، لنكتشف جريمة كبرى ضد الديمقراطية، وهى رفضه للتعديل الخاص بالتأكيد على التمثيل النسبى للمرأة، وهو بذلك يرفض ما استقرت عليه اتفاقيات الأمم المتحدة التى أتاحت وفق ما أكدته الفقرة 4 من الاتفاقية الدولية لإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، بضرورة اتخاذ الدول تدابير مؤقتة تستهدف التعجيل فى المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة بالمعنى الذى تأخذ به الاتفاقية.
وقد طالبت خطة بكين الصادرة عن مؤتمر المرأة العالمى الرابع عام 1995، الحكومات فى العالم بالعمل على زيادة مشاركة المرأة فى مواقع صنع القرار لتصل فى الحد الأدنى إلى 30%، حيث ورد فى الفقرة 190 بند د: "المطلوب من جانب الحكومات مراجعة التأثير المتغير للنظم الانتخابية على التمثيل السياسى للمرأة فى الهيئات المنتخبة، والنظر عند الاقتضاء فى تعديل هذه النظم وإصلاحها، ونفس الأمر بالنسبة للشباب والمسيحيين والمصريين فى الخارج وذوى الاحتياجات للوصول إلى برلمان يجسد المواطنة بتمثيل كل فئات المجتمع تمثيلًا عادلاً فى المؤسسة التشريعية بما يضمن مشاركة الجميع فى صنع القرار، وبذلك نضمن تطبيق روح الديمقراطية الحقيقية"، ولذلك كان من اللافت للنظر رفض ذلك التيار -الذى أطلق على نفسه الديمقراطى- لذلك التعديل تحديدًا، بينما هى توطن الإصلاح السياسى وتسرع من عملية التحول الديمقراطى وتؤكد على معنى المواطنة.