محمود بسيونى
يعيش التنظيم الإرهابى حالة انكشاف تام أمام مواطنى الشرق الأوسط من جانب، وأيضًا خوف المجتمعات الغربية من أفكارهم المتشددة والتى وصلت لدرجات من الجنون والشطط بظهور من يخطط إلى إقامة دولة إسلامية فى أوروبا.
الرئيس التركى رجب طيب أردوغان لم يُخفِ ذلك المخطط، فالجالية التركية مع الإخوان فى أوروبا يشكلون نواه لسيطرة أردوغان على الوضع داخل دول عديدة فى أوروبا، بل والتلويح بأنه سيحكم أوروبا بعد انتشار الإسلام فيها، قد يبدو الأمر مزحة، ولكنه دق ناقوس الخطر فى دول عديدة، وزرع بذور الفتنة المسمومة التى تحولت إلى إجراءات تلاحق المسلمين حتى من غير المنتمين لعناصر الجماعة الإرهابية.
فى السابق كانت علاقة الإخوان بأجهزة الاستخبارات الغربية قوية، كانوا يرون فيها أداة تنفيذ جيدة لحصار الشيوعية فى الحرب الباردة، لكن مع الوقت ظهر أن الإخوان يستغلون ذلك لتمرير عناصرهم إلى الداخل الأوروبى تحت ستار تمثيلهم للمعارضة السياسية فى دولهم.
بعض المراكز البحثية كانت دائمًا ما تسأل الإخوان سؤالاً عن الديمقراطية، وهل يؤمنون بها أم لا؟ خدعهم الإخوان عبر بعض الدراسات لمثقفين يساريين عرب وضعوا مقاربات تقول إن الإخوان لم يتم تجريبهم سياسيًا، وأنهم قريبين من النموذج التركى الذى وصل للحكم بالصناديق وحافظ على الطابع العلمانى، من بين هؤلاء برهان غليون وعزمى بشارة، وذلك كان قبل عام 2011، والحقيقة أن كثير من مفكرى اليسار تعامل مع الإخوان كخزنة أموال، وكان لامتلاك قطر المتحالفة مع الجماعة الإرهابية لمنابر إعلامية متعددة دور كبير فى استقطاب هؤلاء بالمال، مقابل أن يستمر التنظير لفكرة قبول الإخوان للديمقراطية، وإخفاء إزدراء الجماعة لفكرة الديمقراطية، حتى ظهرت الحقيقة فى إعادة انتخابات اسطنبول بعد هزيمة حزب أردوغان الإخوانى، فالإخوان لا يؤمنون بالديمقراطية ولا يتركون الحكم بصناديق الاقتراع.
فى ديسمبر الماضى تحدثت مصادر استخباراتية ألمانية مع موقع فوكوس أن "الجمعية الإسلامية"، واجهة الإخوان المسلمين فى ألمانيا، لها تأثير ملحوظ على الجالية المسلمة بألمانيا، وتشكل خطرًا على الديمقراطية، وأضافت أنها تعتبر حركة الإخوان المسلمين على المدى المتوسط أخطر من تنظيم "داعش" الإرهابى والقاعدة على الحياة الديمقراطية فى ألمانيا.
واعتبرت الاستخبارات الألمانية تحرك الإخوان لإقامة نظام اجتماعى وسياسى على أساس الشريعة خرق للنظام الديمقراطى الحر، فضلاً عن تلك التحركات تضغط على قيم وحريات المواطنين فى أوروبا الذين وجدوا أنفسهم فى مواجهة مع عادات وتقاليد تتصادم معهم على طول الخط سواء فى نمط الملابس أو الأكل أو طريقة المعيشة.
بوركهارد فرايير، رئيس جهاز الاستخبارات فى ولاية شمال الراين فيستفاليا، حذر من أنه على المدى المتوسط قد يصدر من تأثير الإخوان المسلمين خطر أكبر على الديمقراطية الألمانية مقارنة مع الوسط السلفى الراديكالى الذى يدعم أتباعه تنظيمات إرهابية مثل "القاعدة" أو "داعش"، لافتًا إلى أن "الجمعيات المقربة من الإخوان المسلمين تستقطب بشكل متزايد لاجئين من بلدان عربية لتجنيدهم من أجل أهدافها".
تحذير الاستخبارات الألمانية وغيرها من أجهزة الاستخبارات الغربية من خطر الإخوان يؤكد تمامًا صحة التحذيرات التى أطلقتها مصر من قبل، وتحدثت فيها عن خطورة ذلك التنظيم، لكنه يعكس أيضًا حيرة أوروبا فى التعامل مع ذلك التنظيم فى ظل تجنب أعضاءه إعلان انتمائهم له، وهو ما يحصر المواجهة على التعاون الأمنى فقط، والمقيد بدوره بمجموعة من القوانين الخاصة بالهجرة والتعامل مع اللاجئين، وهو ما اضطرهم للضغط من أجل تغيير تلك القوانين، وهنا حدث الصدام بين تفكير الدولة فى حماية نفسها وشعبها وبين معتقدات اليسار الغربى المتسامح أو المتحالف مع الإخوان.
أتصور أن تلك المعركة ستنتهى قريبًا لصالح الدول والشعوب الأوروبية، فأيًا كانت المصلحة التى قد تجمعهم مع بقايا ذلك التنظيم فى ليبيا أو سوريا، فهو سيظل ضاغطًا عليها فى الداخل، ليتلاعب بالحرية والنظام الديمقراطى لصالح إنشاء دولته الدينية فى الشرق والغرب، فما يمثله الإسلام السياسى وذراعه الإخوانية يمثل خطرًا على البشرية كلها، وجدية عملية التخلص منه ترتبط بإخلاء الشرق الأوسط من بقاياه حتى تتوقف عملية التفريخ المستمرة، وذلك مرهون بنجاح التجربة المصرية التى تسعى للإصلاح الاجتماعى والاقتصادى والسياسى عبر إرساء قواعد للتعايش ونشر قيم التسامح بين المصريين والعرب، ونجاحها قائم على تحسين الأوضاع الاقتصادية وزيادة الاستثمارات وخلق فرص العمل، بالإضافة إلى انطلاق نهضة ثقافية وحركة مسرحية منظمة وانطلاقة فنية غزيرة، وهى الإجراءات الكفيلة بتجفيف منابع الإسلام السياسى، ووضع دول الشرق الأوسط على الطريق الصحيح للتخلص النهائى منه وحماية البشرية من خطره.