البث المباشر الراديو 9090
سمر مدكور
بداية نتفق أن هناك روحًا زهقت، وصعدت إلى رحمة الله، ليكن أساس ما نكتب، ثم بعده تأتى الآراء، ويكن كل ما يذكر عقب الحزن على هذه الروح، بمثابة محاولة لمواجهة الذات، والوقوف لحظة مع النفس.

النفس هنا هى نحن جميعًا، مسؤولون ومسؤول عنهم، لنبحث فى ذاتنا عن أسباب هذه الكوارث، ونضع أيدينا على نقطة البداية، والتى مثلت بدء انطلاق حدث جلل، ما كان ليحدث لو أننا راجعنا أنفسنا فى الوقائع التى سبقته، وهو ما نحاول القيام به الآن.

دعنى أصدمك، وأتحدث فى رأى ربما لا تستسيغه، ورؤية ربما لن تهضمها فى أول الكلام، لذا أرجوك كن صبورًا معى حتى النهاية، ودعنى أقول لك، إن الكمسرى ليس بقاتل متعمد، والمرحوم ليس مقتولًا، لأن أحدًا لم يقدم على قتله فى هذه الحادثة التى نحن بصددها.

دعونا نواجه الحقائق بشفافية، ونحلق بعيدًا عما يتداوله الجميع، وما يتحدث فيه من سمع، وما يحدث فى كل كارثة، ومع ذلك النتيجة تكون كارثة جديدة، لأننا نفعل المقدمات ذاتها، ثم ننتظر نتائج مختلفة.

الواقع، أن الكمسرى يجب أن يحاسب، وبالطبع هناك روح زهقت، وعادت إلى بارئها فى نهاية صعبة لأى إنسان وأهله، وللإنسانية كمفهوم عام، يوضح لنا جميعًا، أن أصعب ما فى الحياة، هو إزهاق الحياة، لكن هناك بعض علامات الاستفهام، التى لن يضيرنا فى شىء محاولة الإجابة عليها، بل ربما يكون من النفع أن نجيب عليها، لربما وصلنا من الإجابات لحل يحافظ على الأرواح، ويحفظ الإنسان.

السؤال الأول، هل الباعة الجائلون المتنقلون من قطار إلى آخر ليسوا متمرسين فى القفز من القطارات دون تذاكر؟.. ثم، هل الكمسارية ليسوا متأقلمين مع وجودهم، وجرت العادة على التعايش مع مشهد القفز من القطارات؟.. أقول لكم إن هذا عرف التنقل منذ قديم الأزل بين الباعة الجائلين، وجميعنا رأى هذا المشهد رأى العين، لمرة واحدة على الأٌقل فى حياته.

الواقع يقول أيضًا، أن المتوفى إلى رحمة الله، ليس بمسافر تم إجباره على القفز، وهو لا يجيد ذلك، لكن هذا لا ينفى إهمال الكمسرى، وعدم تقديره لسرعة القطار، لكن حتى نسمى الأشياء بمسمياتها، أقول إن الكمسرى مخطئ، ويُحاسب، لكنه ليس قاتل.

ثم دعونى أصطحبكم فى رحلة هى الأقرب إلى الحقيقة، وسيناريو تصورى، هو الأقرب لما حدث، وأقول، إن عرف السكة الحديد وفسادها والقول إنها إمبراطورية لها "كارتة" مثلها مثل عالم الميكروباصات والتكاتك، لها أعرافها وتقاليدها ودورة عمل فاسدة وطاغية منذ سنوات بعيدة، وليست وليدة اللحظة، ولم تولد قبل الحادث بأيام ولا حتى سنوات، بل ولن تتوقف إلا لو واجهنا مشاكلنا بشفافية، بعيدًا عن الزوبعات القديمة التى تتجدد عند كل كارثة.

إنهم مافيا يا سادة، من سائقين وتباعين وكمسارية، وباعة جائلين، ولهم طقوسهم وعالمهم، وإن التفكير المنطقى بعيدًا عن سيناريوهات الخيال العلمى، واستغلال الحوادث الفردية هذه فى الشحن فى الشارع المصرى، والتنديد بالفريق كامل الوزير، وتطاول بعض القطاعات على شخصه، تاركين - كعادة البشر - كل ما صنعه لأجل هذا البلد، وملفقين له المسؤولية كاملة، حتى أن محاكمة معنوية شُكلت للرجل، كما لو أنه الكمسرى ذو اليد الآثمة، وهذا لو كان حلًا للأزمة، وضمانًا لعدم تكرار الكارثة، لوافقتكم الرأى، ولقلت نعم، كامل الوزير يجب أن يحاسب.

الواقع، أننا نواجه أزمة منظومة كاملة، كبيرة وعتيقة، وشديدة التعقيد، والحادث الذى أحدث فزعًا كبيرًا لدى القطاعات كافة، مرشح للتكرار بشكل يومى، فحظ الكمسرى السىء، مع إرادة الله التى نفذت، وكتبت نهاية عمر هذا البائع رحمة الله عليه، خيطان على درجة من الأهمية لمحاولة فهم تعقيدات هذه المنظومة، نعم، دنيا السكة الحديد الخطر فكرًا وأعرافًا وتقاليدًا، مع تفشى الفساد الذى ينخر أساسات وزارة النقل، كالنمل الأبيض المؤذى، والحقيقة أن الفريق كامل ليس بيده عصا موسى، وليس أمامنا أمام هذه المنظومة المعقدة، سوى رفع راية "الصبر جميل".

لا تحملوا المواقف أكثر مما تستحق، وضعوا أيديكم على الداء بدقة، ولا تبتعدوا نحو أمور فرعية، ابتعدنا عنها عند كل حادث مشابه، فأقلنا الوزير، ومعه قيادات المصلحة، ثم تكررت الحادثة مرات، لسبب بسيط، لأننا فعلنا ما نفعله الآن تحديدًا، لكن أرجوكم هذه المرة لا تفعلوا ذلك.

استفيقوا يرحمكم الله.. فكروا وتدبروا فهناك روايات أخرى أوقع تصاحب هذا المشهد الهزلى، وأرجوكم ولو لمرة، افتحوا الصورة كاملة، ولا تثبتوها عند الزاوية التى تروق لكم، بل نحاول تثبيتها فى زوايا متعددة، حتى نصل للزاوية التى تمكننا من الحل، وهى المتعلقة بإصلاح المنظومة بكل أطرافها، وعناصرها، البشرية وغير البشرية.

نسأل الله الإصلاح، ونسأله بعد النظر، وحسن التدبير فى الشدائد، ولا يسعنا إلا أن نذكركم ثانية، بضرورة التمهل، والسير نحو منظومة سكة حديد منضبطة، أعيدها "منظومة" وليس أشخاص، دعونا نجرب هذه المرة حلولًا مختلفة عن السابقة، عل النتائج تأتى عكس ما سبق.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز