سمر مدكور
هذا النوع من الحروب لا تحكمه قوانين أو أساليب دفاعية، فهى حرب هجومية، تؤدى إلى تدهور المجتمع سلوكيًا، ونفسيًا، وأخلاقيًا، وتظل ملتصقة بالضحية حتى بعد مماته، لتحدث ضررًا أكبر بالأجيال اللاحقة، حيث من الممكن أن يُزيف التاريخ على إثرها.
الاغتيال المعنوى، ربما يكون أقسى وأشد وطأة من الاغتيال الجسدى؛ فقد يُغتال الشخص جسديًا، فيصبح بطلاً فى نظر الناس، أو يتعاطفون معه لأى سبب كان، ولكن فى الحالة الأخرى، فالشخص يظل على قيد الحياة تلاحقه صورة ذهنية غاية فى السلبية والتشويه، بل يصبح مرفوضًا، أو منبوذًا بين مجتمعه.
عقب الثورة، انتشرت بكثرة عمليات الاغتيال المعنوى، فشملت العديد من الرموز، والأحزاب، وهذه العمليات تعنى إلصاق تهم أو صفات تحط من قدر الشخص، سواء كانت هذه التهم أو الصفات حقيقية، أو مختلقة، لكن يبقى الهدف النهائى، كسر الهيبة، وإضعاف الثقة، وتقليل القيمة، ومحو التأثير للمراد اغتياله.
يتم التربص بالشخص، والتجسس عليه، ويتم تتبعه والبحث فى تاريخه القديم والحديث، بهدف العثور على زلة تستخدم للتشهير به وإهانته، وإذا وجِدت تلك الزلة يتم توسيع دائرتها، مع الإضافة عليها؛ لتصبح خطيئة لا تغتفر، وحتى إذا لم يتم العثور على تلك الزلة، فيتم اختلاق مجموعة من الأكاذيب والشائعات، وتُردد فى كافة الوسائل الإعلامية، ومنصات التواصل الاجتماعى.
إن الشخص الذى يمارس الاغتيال المعنوى، يُعرف ببعض العلامات، والتى منها: إلحاحه المستمر على تشويه ضحيته، وابتعاده عن الموضوعية، ومبالغاته الواضحة، وتسليطه الضوء على عيوب المجنى عليه طوال الوقت؛ بحيث لا يرى فيه إلا العيوب والخطايا، ويعجز الناس عن رؤية علامة إيجابية واحدة فيه، كما تعكس لغة الجسد لديه حالة من الغضب، والاشمئزاز، والعدوانية، بينما هو يتحدث عن ضحاياه.
لم تقتصر أساليب الاغتيال المعنوى على المقالات والحوارات والمناقشات، وإنما امتدت من خلال برامج ساخرة تهز من قيمة ووقار واحترام الشخصيات، بحيث لا يبقى لأحدٍ هيبة، ولا ننسى النشاط الإلكترونى الممول على الإنترنت، الذى يمارس من خلاله مثل تلك الهجمات، ويشارك فيه ملايين الشباب من كافة الاتجاهات.
وقد يخلط البعض بين النقد والاغتيال المعنوى، فالأول مشروع ومطلوب لإصلاح المسيرة، والثانى مدان ومرفوض؛ لأنه يهدم المقومات البشرية فى المجتمع، وللأسف الشديد يساهم فى هذا الاغتيال مجموعة من الإعلاميين، أصحاب الشعبية الكبيرة، والتأثير الخطير، دون إدراك لحجم الخطورة.
النتيجة النهائية لذلك؛ سقوط كافة الرموز الفردية، والجماعية، وفقدان الثقة بين الجميع، إضافة إلى فقدان الأمل أيضًا، فى تحقيق نهوض أو إصلاح، وفقد بوصلات التوجيه؛ ليدخل المجتمع فى حالة اختناق داخلى لا يعلم مداه إلا الله.
لوحظ أن تكتيكات الاغتيال المعنوى موجه فى الدرجة الأولى إلى الحالات الشريفة الصامدة، الغير قابلة للشراء، أصحاب الأثر الأقوى فى قطاعات المجتمع المصرى، فنجد كل من يقف فى طريق تقدم الوطن وارتفاع رايات النهوض، والعمل، والتنمية، يسارع باستغلال منصات التواصل الاجتماعى ليشيع ظلام نفسه الشاسع على كل ماهو إيجابى، وعلى كل ما يسطع ضوئه، فهناك من يعشقون الظلام الدامس، وحلمهم الوحيد أن يجروا أعدائهم إلى ساحات الكره، والابتزاز، وتشويه السمعة، والتشهير، ونشر الإشاعات، وأحيانا تصل إلى التشكيك فى الذمة، أو الشرف والعرض.
وهناك قاعدة ثبُت صحتها على مدار التاريخ، وهى أن نسبة الأعداء، لشخصك تتناسب طردياً مع نجاحك، ومن هذا المنطلق أناشد كل ضحية لهذا النوع من الاغتيال، وكل من تقع عيناه على هذه السطور، أن تصمدوا إذا تعرضتم لهذا البلاء، اثبتوا، وقروا أعينكم؛ فإن الله يرى، ارفعوا رؤوسكم، وواجهوا ـ تلك الحرب ـ بوجوه منيرة، وضحكة بشوشة، فاللعب أصبح على المكشوف، وكل شىء بات واضحًا.
إنه شعور مؤلم، طعنه فى القلب دون نقطة دم واحدة، ألم فى الصدر دون عرض طبى، أذى نفسى شديد، فالروح تضيق على صاحبها خصوصًا مع قسوة هذا النوع من الاغتيال النفسى والمعنوى.
أحدثكم وأنا إحدى ضحايا هذا النوع من الافتراءات، جميعها كانت غير صحيحة، ولكن مع قوة إيمانى، وصمودى، وإصرارى أن لا أعطى القاصد مراده، فاستعنت بالله، وبصحبة طيبة من الأخوات، والأهل، والأصدقاء، وعدتُ ناجية بوجه بشوش، وطمأنينة غريبة، وتعلمت أنه ما من أحد يتكلم فى ظهرك، إلا حاقد، أو فاشل.
تحصنوا بصحبة صالحة مخلصة، لا يغركم العدد فهو لا يؤثر أثناء الموج العالى، ادخروا لسنوات عمركم الداكنة عددًا من الناس؛ لتذهبوا إليهم وقت هذا النوع من الأذى الذى من الممكن أن يصل بصاحبه إلى الاكتئاب والموت، فالصديق قبل الطريق، وأنتم تختارون صحبتكم؛ راعوا أنكم تخبئونهم للزمن، والأيام.
احذروا من الاغتيال والإرهاب المعنوى، فهو وفاة دون قبر، والفاعل فى أغلب الأحوال مجهول، أو مهدر دمه بين هذا وذاك، وليس منه نجاة إلا بتمسكنا بقيمنا، وأعرافنا، وادعو الله أن يرزقكم بأصدقاء الدرب والحرب.