البث المباشر الراديو 9090
دينا المقدم
لعدة عقود كانت ولا تزال النظرة النمطية الشائعة عن القارة الإفريقية على حالها، إذ يراها من هم خارجها قارة بور تملؤها الغابات، وتمر عبرها الأنهار، وتتفشى فيها الأمراض، ويعم سكانها الفقر والجهل، فهى باختصار قارة خارج العالم.

وتحولت إفريقيا، القارة التى كانت عذراء بخيراتها وثرواتها وغاباتها، خلال عقود من الزمن إلى مقبرة للموت، ومرتع للفساد، وساحة للصراعات والحروب والانقلابات، كما تحولت إلى رهانٍ كبيرٍ للمؤسسات المالية الكبرى، وسوق ضخمة للمنتوجات الغربية.

إنها تحولات كبيرة حدثت فى هذه القارة السمراء، عبَّرت عنها مؤشرات وأرقام، وصلت إلى 22 مليون حالة وفاة بمرض الأيدز، و36 مليون إصابة بفيروس الأيدز، و330 مليار دولار من الديون، كل هذا فى ظل غفلة من الحكام والمسؤولين الذين دخلوا فى مئات الصراعات وحروب وانقلابات، الأمر الذى يدعو إلى التساؤل حول الخلفيات الكامنة وراء هذه المآسى.

آن لنا أن نبحث فى مدى تمكّنها من المجتمعات الإفريقية، وتحديدًا إفريقيا جنوب الصحراء، خصوصًا أنّ هذه المنطقة هُضم حقّها كثيرًا فى البحث والدراسة بوجهٍ عام، والمرأة فيها بوجهٍ خاص، كما أنها تفتقر إلى اهتمام العالم العربى والإسلامى، الأمر الذى جعلها فريسة سهلة ولقمة سائغة للأفكار والتيارات، لا سيما من الاختباء بلباس الإسلام مؤخّرًا، ليسهل له النفاذ إليها.

يشكل المسلمون  حوالى 27% من بين سكان البلدان الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، البالغ عددهم حوالى 128 مليون نسمة، وهم يشكّلون أغلبية السكان فى 9 دول، فإذا كانت النساء يشكّلن نصف مجموع السكان وفقًا للتقديرات فإنّ عدد النساء المسلمات اللاتى يعشن فى هذه البلدان يبلغ حوالى 65 مليون امرأة، وعلى الرغم من ذلك فإن مستويات التعليم وتوقعات الحياة ومستويات الدخل فى هذه البلدان من أقل المستويات فى العالم عمومًا.

 وبرغم التطورات الاقتصادية والسياسية التى حدثت فى بعض بلدانها إلا أن هذه النظرة لم تتغير، وتلك التطورات لم تلفت انتباه أحد، المرأة الإفريقية بدورها لم تسلم من هذا الإطار الجامد والقالب المحدد الذى ترسخ فى أذهان العالم، لاسيما الدول الغربية التى لم تكلف نفسها عناء مد يد العون لهذه المرأة إلا بالقدر الذى يمكن أن تستفيد منه، صحيح أن القارة مليئة بالمشاكل على مختلف الأصعدة، وأن المرأة والأطفال كانوا هم أبرز الضحايا، إلا أن الجهود المحلية التى بُذلت فى السنوات الأخيرة كان لها مردودها الإيجابى، حيث يقول تقرير منظمة العفو الدولية: "إن امرأة واحدة من كل 3 نساء عانت من العنف الجسدى، فى حين أن هذه النسبة فى إفريقيا واحدة من كل 4".

حقوق المرأة الإفريقية معترف بها ومضمونة من قبل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان كافة، خصوصًا الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، والعهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وبروتوكولها الاختيارى، والميثاق الإفريقى لحقوق ورفاهية الطفل، وجميع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الأخرى المتعلقة بحقوق المرأة كجزء من حقوق الإنسان غير القابلة للتصرف والمترابطة وغيرالقابلة للتجزئة، فقد تم التأكيد على حقوق المرأة ودورها فى العديد من المنتديات والمؤتمرات التى تولت مصر قيادتها.

على مدى السنوات الـ 25 الماضية، تم إحراز تقدم كبير نحو القضاء على العنف ضد المرأة، ومازال هناك الكثير الذى يتعين القيام به.

وأدت حركات حقوق المرأة وتنفيذ الإطار الدولى لحقوق الإنسان للمرأة وتطوره إلى زيادة الفهم بأن العنف ضد المرأة قائم على النوع الاجتماعى، وهو من أشكال التمييز، ويُعد انتهاكًا لحقوق الإنسان، وساهمت مصر بشأن العنف ضد المرأة وأسبابه وعواقبه فى هذه العملية.

وتطور حظر العنف ضد المرأة القائم على النوع الاجتماعى إلى مبدأ من القانون الدولى العرفى، بالتالى فهو ملزم لجميع الدول، واليوم تتمثل التحديات الرئيسية فى الافتقار إلى الحماية القانونية الكاملة لحقوق المرأة، كحقوق إنسانية إلى جانب الافتقار إلى قوانين وسياسات ضد هذا العنف، وعدم وجود بيانات مقارنة بشأن أشكال مختلفة من هذا العنف.

إننا بحاجة إلى التركيز على تنفيذ الالتزامات الدولية، والاعتراف بالإسهامات التى تقدمها آليات الخبراء المستقلة لحقوق الإنسان للمرأة، مثل اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة، والفريق العامل المعنى بالتمييز ضد النساء والفتيات، وكذلك آليات المراقبة الإقليمية لحقوق الإنسان للمرأة، وهناك حاجة إلى دعم أقوى من هيئات الرصد المكلفة بتنفيذ الالتزامات المتعلقة بالمساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة والقضاء على جميع أشكال العنف ضد المرأة.

ومن المُسّلم به صراحة أن هذه الالتزامات ضرورية لتحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030، خصوصًا هدف التنمية المستدامة بشأن المساواة بين الجنسين، وتمكين النساء والفتيات، كما أنها مدرجة فى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو"، وإعلان القضاء على العنف ضد المرأة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز