أحمد محمود
ففى الصين التى شهدت أول انطلاق للفيروس، رصدت أقمار صناعية تابعة لوكالتى "ناسا" ووكالة الفضاء الأوروبية، تراجع مستويات ثانى أكسيد النيتروجين فى الصين، الذى يعتبر أحد أهم ملوثات الهواء، وجاء هذا التراجع بسبب وضع عدد كبير من الصينيين فى الحجر الصحى، وإغلاق العديد من المحال والشركات، بسبب تفشى الفيروس الذى أصيب به أكثر من 80 ألف شخص، وأدى إلى وفاة الآلاف من المواطنين هناك.
وفى إيطاليا عادت مياه قنوات مدينة البندقية أشهر مدن الشمال الإيطالى إلى صفائها مع غياب السفن السياحية، وتوقف المراكب عن الحركة فيها بعد توقف حركة السياحة بسبب انتشار الفيروس هناك أيضًا، كما توقفت الزوارق السريعة التى كانت تجوب القنوات والبحيرة الشاطئية، المثيرة للرواسب الطينية ما يؤدى إلى تعكير المياه، وهو ربما يكون الأمر السار الوحيد لهذه المنطقة المعرضة للوباء.
أما مصر فقد تكبّدت خسائر مالية كبيرة، ربما تصل إلى 4 مليارات جنيه من جراء إعلان التدابير الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا، تضمنت هذه الإجراءات منح عطلة لبعض الفئات من العاملين، وتخفيض عددهم فى أجهزة الدولة لتقليل الكثافة، وتوقف الحياة الاقتصادية بشكل كبير فى كل الشركات والمصانع الحكومية، والتى ستتكبد خسائر قد تصل إلى ما يزيد عن 2 مليار جنيه مصرى، وحتى قطاع السياحة والطيران فى مصر سوف يتأثر بشدة بعد قرار تعليق حركة الطيران حتى الآن.
والحقيقة أن ما حدث رغم قسوته على مصر، إلا أنه لفت الأنظار إلى عدة نقاط شديدة الأهمية، أولها نقص الاهتمام بقطاع الصحة، فيما يتعلق بأوضاع العاملين فى هذا القطاع من الأطباء وأطقم التمريض، خاصة المالية منها، وأيضًا الاحتياج إلى الاهتمام بالتجهيزات الطبية ومعامل التحليل، ليس فقط فيما يتعلق بمسألة توفرها، وإنما أيضًا فيما يتعلق بتصنيعها أو إنتاجها من الأساس.
النقطة الثانية المهمة هو إدراك أهمية ما حدث من تطوير فى عملية التعليم، والإصرار على استخدام "التابلت" والإنترنت، إذ ساعد ذلك بشكل كبير على عدم توقف منظومة التعليم فى أثناء الحجر الصحى الاحترازى بالمنازل، وهو ما ساعد على التخفيف من أزمة كورونا، وعدم فزع أولياء الأمور بشكل كبير، وهو ما يطرح أيضًا أهمية الاستمرار فى هذا النهج.
النقطة الثالثة تتعلق بإدراك أهمية البحث العلمى، صحيح أن الدكتور محمود صقر رئيس أكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا، صرح بأن مخصصات البحث العلمى، بلغت 19 مليار جنيه فى العام 2019-2020 موزعة على كل المراكز البحثية التابعة للوزارات على مستوى الجمهورية، مقابل 18 مليارا فى العام المالى السابق، وهو أمر قد يكون غير كاف بالنسبة للتوسع فى مجالات البحث العلمى، إلا أن هذا التوسع يمكن أن يتم وفق خطة إستراتيجية تحدد أولويات البحث العلمى المطلوب، وهو ما قد يسمح بتطور نوعى فى مجالات الطب والعلوم.
النقطة الرابعة تتعلق بخطة "رقمنة" قطاعات الدولة، وهو أمر أثبت جدواه حين اضطر الناس للتعامل المالى أيضًا عبر شبكات الإنترنت، والذى لولاه لحدثت أزمات كبيرة، ولما استطاعت قطاعات كبيرة من قطاع الأعمال سواء العام أو الخاص العمل من المنازل، وهو أمر يدفع لضرورة النظر فى سرعة استكمال وتطوير المنظومة الرقمية للدولة كافة.
لا يمكن إنكار أن ما تم فى الفترة الماضية من إصلاح هيكلى فى العديد من قطاعات الدولة، كان له أثر كبير فى نجاح الإجراءات الاحترازية فى مواجهة أزمة "كورونا"، وهو أمر يُحسب للدولة التى أصرت على إجراءات الإصلاح الاقتصادى الشامل، وعدم الركون لاتخاذ قرارات "مسكنة" للأزمات كما كان يحدث من قبل، لكن الأزمة الحالية أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك، أن مسائل مثل البحث العلمى والرقمنة أصبحت مسائل أساسية فى مستقبل مصر، وهو أمر ينبغى أن تأخذه الدولة فى الاعتبار، وأن تسرع فى وضع خطة استراتيجية للتوسع فى هذه المجالات.