البث المباشر الراديو 9090
الدكتور حسن سلامة
تكشف الأزمات التى مرت بها الدولة والمجتمع فى مصر عبر تاريخها الحديث والمعاصر عن درجة التلاحم التى تربط الشعب بقواته المسلحة، التى تتجاوز عبر علاقتها بالشعب كل النظريات الغربية التى تسعى إلى تفسير العلاقات المدنية العسكرية بل وتقدم طرحا مختلفا ذو نكهة مصرية قوامة أن الجيش من الشعب ويعمل لصالح هذا الشعب، وذلك منذ اللحظة الأولى التى تم فيها تأسيس الجيش الوطنى القوى على يد الوالى محمد على باشا فى القرن التاسع عشر.

وعبر مسارات تاريخية متعددة تلاحم الجيش والشعب للمصلحة العامة وحماية البلاد وصون مقدراتها ولعل فى ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013 المثال الأقرب زمنيًا لصورة التلاحم التى نشير إليها وأعقبها تنفيذ القوات المسلحة للعديد من المبادرات الخدمية لصالح المواطنين، منها توفير أدوية وأغذية بأسعار مخفضة لضبط أسعار السوق، وتدشين مشاريع إسكان بديلة للعشوائيات، وغيرها.

إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا

ومع انتشار فيروس كورونا المستجد  فى أغلب الدول العالم، وسعى الحكومات لمحاربة وباء كورونا وحماية شعوبها، فقد اضطر بعضها لإدخال القوات المسلحة وفرض حظر التجول خلال الفترة العصيبة، التى يمر بها العالم فى الوقت الحالى.

وبالرغم من أن مهمة الجيوش الأولى هى حماية الأوطان من الأعداء وحماية حدود الدولة، إلا أنه فى الكثير من الأحيان يتم اللجوء للقوات المسلحة، وذلك عند حدوث كارثة طبيعية أو انتشار الأوبئة، كما يحدث حاليًا، وفى السياق المصرى نشهد دخول القوات المسلحة على خط مواجهة الأزمة منذ اللحظة الأولى والتى تظهر العديد من الأمور من أهمها:-

أولًا: أن جميع مؤسسات الدولة على قلب رجل واحد فى كيان مؤسسى متناسق بقيادة واعية متزنة من أجل تحقيق الهدف الأسمى وهو فى حالتنا الراهنة صحة المواطن المصرى ومواجهة تحدى جائحة كورونا.

ثانيًا: أن مفهوم الأمن القومى ليس مفهومًا ذو أبعاد عسكرية بقدر ما يمثل مفهومًا منظومة تتكامل فيه كل الأبعاد بما فيها الأبعاد الصحية بل وقد تمثل أهم عناصرها إذا اعتبرنا أن الفرد هو ثروة هذا الوطن.

ثالثًا: سرعة الاستجابة التى تتميز بها القوات المسلحة المصرية والمرونة فى تطويع القدرات العسكرية لصالح الهدف المطلوب تحقيقه وبأعلى كفاءة ممكنة.

رابعًا: انتظام الأداء عبر عناصر القوات المسلحة المدربة والمنضبطة وفق القواعد العسكرية التى تمثل حائط الصد الأول فى مواجهة تحدى انتشار الفيروس.

خامسًا: نشر الطمأنينة بالنظر لما تتمتع به القوات المسلحة من درجة عالية من الثقة الشعبية سواء فى إخلاصها أو قدراتها أو كفاءتها وهو الأساس المعنوى المهم الذى ترتكز عليه كل محاولات مواجهة تحدى الفيروس.

سادسًا: تعزيز الدعم اللوجستى للأطقم الطبية المدنية عبر إمكانيات متعددة تتمتع بها القوات المسلحة دون قصرها على أبناء المؤسسة العسكرية فقط فى تجسيد مباشر لقيم التفانى والإخلاص والولاء التى تتسم بها القوات المسلحة المصرية.

سابعًا: أن المشاركات المختلفة للقوات المسلحة على الصعيد الاقتصادى أو الاجتماعى أو الطبى أو غيره لم ولن تؤثر على الكفاءة القتالية لعناصرها كقوة ردع فى مواجهة عداءات الأطراف الأخرى، خصوصًا مع استمرار التدريبات وتحديث الأسلحة.

وتطبيقا لتلك العناصر سالفة الذكر وفى إطار التنسيق المدنى العسكرى لمواجهة جائحة كورونا، يمكن رصد العديد من الأدوار التى تقوم بها القوات المسلحة ومنها:- 

استعداد جميع مستشفيات القوات المسلحة للدخول فى الخدمة، حيث تم تجهيز 45 مستشفى عسكريًا بإجمالى 12 ألفا و300 سرير، مزودة بالمعدات الطبية، فضلا عن 22 مستشفى عزل بـ4 آلاف سرير، دون التأثير على تقديم الخدمة فى القوات المسلحة، كما تم تطويع 4 مستشفيات ميدانية متنقلة مزودة بأحدث الأجهزة، وتجهيز 11 مركزا لتحليل العينات بالمعامل المركزية والمستشفيات العسكرية فضلا عن تجهيز 1000 سيارة إسعاف، وأتوبيسات وطائرات لنقل الحالات الحرجة.

استعداد القوات المسلحة للمساهمة فى توفير السلع، حيث تم تجهيز حصص غذائية والاحتفاظ بقدرة إطعام مليون فرد لمدة 3 أشهر، وتجهيز 32 خط خبز متحرك، وإمكانية المناورة بالخطوط المختلفة، وقدرة أجهزة القوات المسلحة فى معاونة القطاع المدنى على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

كما وفر جهاز مشروعات الخدمة الوطنية السلع الغذائية فى جميع المحافظات، حيث تم تجهيز 25 ألف طن من اللحوم والدواجن والأسماك بخلاف 18 ألف طن من السلاع الغذائية الأخرى مثل زيت الطعام والسكر والعديد من الخضروات.

ورفع قدرة إنتاج الكمامات والمطهرات،  حيث تم استخدام 200 جهاز تعقيم بيولوجى بطاقة 400 ألف متر مربع فى اليوم فى أعمال التطهير، وتجهيز 10 آلاف طن محاليل أنواع ورفع الطاقة الإنتاجية فى اليوم لتطهير المنشآت، كما أن مصنع المسكات الطبية يوفر 100 ألف ماسك طبى فى اليوم، علاوة على وجود احتياطى يقدر بـ5 ملايين كمامة، واستمرار العمل لتجهيز 15 مليون ماسك، وإنتاج 1000 بدلة واقية فى اليوم وصولا إلى 50 ألف بدله واقية.

وتطهير أهم المؤسسات والشوارع  حيث تم الدفع بـ750 نوعًا من مركبات الحرب الكيمائية والإطفاء والإنقاذ للمشاركة فى أعمال التطهير، وكذلك الدفع بـ100 عربة فنطاس مياه لإمداد المياه فى أعمال التطهير، وتجهيز وحدات الدخان للمشاركة فى التطهير بإجمالى 80 ألف متر مربع فى اليوم. 

واستعداد أطقم القوات المسلحة الطبية لتعزيز قدرة الأطقم المدنية، وتوفير مخزون مناسب من الأدوية المستخدمة فى مواجهة الأزمة، واستعداد القوات المسلحة لتنفيذ أى أوامر بغلق أو حظر الحركة.

إن استعراض تلك الجهود التى تقوم بها القوات المسلحة المصرية تفرض استحضار نماذج تنظيرية جديدة تواكب ذلك التلاحم بين الجيش والشعب كنسيج واحد تغلفه أهداف وطنية مشتركة.

ويبقى السؤال مطروحا حول دور القوات المسلحة ومراكز الأبحاث التابعة لها فيما بعد انقضاء الأزمة وحتمية إعادة النظر فى أجندة الاهتمامات البحثية لتتصدر الأبحاث بالحروب البيولوجية صدارة الاهتمام، ليس فى مجال حماية الجنود فقط ولكن سعيا لحماية صحة شعب بأكمله، إن قضية الأبحاث البيولوجية جديرة بأن تحتل مكان الصدارة من الأن باعتبارها من مصادر التهديد للأمن القومى كمنظومة شاملة.

 

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز