الدكتور حسن سلامة
ومن أهم هذه المفاهيم ما يطلق عليه الفاعلين من غير الدول الذى يشير إلى أى طرف فاعل باستثناء الحكومات، ووفق هذا التعريف يصبح الفاعلون عبر القوميين هم أى جماعات أو حتى أفراد يستدعى عملهم فى مجال السياسة الدولية تسهيلات مادية داخل الدولة، إلا أنهم ليسوا فى حاجة إلى الحكومات من أجل ممارسة العلاقات الدولية إذ يتجه سلوكهم مباشرة إما إلى الفواعل الأخرى عبر القومية أو إلى الحكومات الأخرى.
ومن أبرز نماذجها عبر التاريخ: حركات التحرر الوطنى والشركات الاقتصادية الدولية متعدية الجنسية والمنظمات الدولية غير الحكومية والتنظيمات الإرهابية، وأخيرًا يمكن إدراج الفيروس بأزمته وتجلياته وانتشاره العالمى وتأثيراته على سياسات الدول والحكومات، إلى مجمل هذه المكونات لمفهوم الفاعلين من غير الدول ولو مرحليًا.
إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا
وليس من المتصور أن يمثل هذا الفيروس فاعلاً فى العلاقات الدولية لولا ما نشهده من تراشق وتلاسن واتهامات متبادلة بين الصين والولايات المتحدة بالمسؤولية عن وجود هذا الفيروس الذى يصبح وفق هذا المعنى أداة مهمة من أدوات تنفيذ السياسة الخارجية لدولة فى مواجهة أخرى، وهو ما لم تثبت صحته حتى اللحظة، إلا أن هذا التراشق يسمح بقدر من التحليل الأولى لدور هذا الفيروس فى المشهد الدولى.
إن هذا التصور المفاهيمى المبكر لدور فيروس كورونا فى المشهد العالمى لا يكتمل إلا من خلال الوقوف على الأطروحات المختلفة لـتأثيرات أزمة الفيروس – كفاعل دولى - على مفهوم العولمة.
تبدو هذه المحاولة لفهم تأثيرات الفيروس – كفاعل دولى – على العولمة هى الأخرى مبكرة خصوصًا أننا ما زلنا فى خضم الأزمة بتجلياتها ومستجداتها ويبقى أى فهم مكتمل مرهونًا بالتطورات التى سوف تشهدها الفترة المقبلة ومدى نجاح الدول – فرادى أو مجتمعة – فى التصدى لهذا الفيروس ومواجهة أخطاره.
إن المدخل الصحيح للفهم يرتبط بتوضيح المقصود بمفهوم العولمة، وهى تلك العملية التى تشهد حرية تامة لانتقال الأفراد والأموال والأفكار والتكنولوجيا عبر دول العالم دون اعتبار يذكر للحدود الوطنية.
ويمكن حصر الجوانب الرئيسة للعولمة فيما يلى:
الجانب الاقتصادى، وتضمن الانتقال الحر لرؤوس الأموال والسلع والخدمات عبر الحدود بين الدول وازدياد الاعتماد المتبادل بين اقتصادات العالم واندماج الاقتصادات المتقدمة فى الاقتصاد العالمى، فى إطار النظام الرأسمالى العالمى الذى يقوم على أساس القطاع الخاص فى الداخل وحرية التجارة بين الدول فى الخارج، وكلها مضامين تمثل جوهر فكر الليبرالية الاقتصادية الجديدة.
الجانب السياسى، ويقوم على فكرة انتصار النموذج الديمقراطى الغربى بعد ثورات دول شرق أوروبا عام 1989، وانهيار الاتحاد السوفيتى عام 1991، وتحول تلك الدول إلى النظام الديمقراطى، ويرتكز هذا النظام على أسس مثل: تعدد الأحزاب وإجراء انتخابات دورية حرة والفصل بين السلطات ووجود مجتمع مدنى نشط واستقلال القضاء مع إعلاء قيم الشفافية والمحاسبة واحترام حقوق الإنسان.
الجانب الاجتماعى الثقافى، فيما يشير إلى ازدياد التفاعلات الثقافية الاجتماعية وذيوع أنماط موحدة للزى والطعام فيما اعتبر فرضًا لنمط الحياة الغربية على العالم دون تمييز أو مراعاة لخصوصية المجتمعات وتنوعها "انتشار ماكدونالدز، والكوكاكولا، وقصات الشعر، والجينز، وغيرها".
وقد شهد هذه المفهوم توظيفًا فى المجالات المختلفة كالمرأة وحقوق الإنسان والأطفال بما فى ذلك مجال الجريمة المعولمة ومجال عولمة القوانين التى تواجهها.
ويمكن أن تلمس سيناريوهين متناقضين حول مآل العولمة فى ضوء تفشى الفيروس وأخطاره وامتداداته السريعة.. أولهما يرتبط بالاتجاه العالمى نحو مزيد من التعاون الوثيق واستحضار آليات الاعتماد المتبادل لمواجهة الخطر الذى يهدد صحة مواطنى دول العالم ويستلزم تبادل الخبرات والمعلومات والتجارب خصوصًا فى مجال إيجاد مصل مضاد للفيروس، وينطلق هذا السيناريو من أرضية تفسر عجز النظم الصحية الوطنية المنفردة عن مواجهة حاسمة للفيروس وأخطاره مع حتمية استمرار التواصل العالمى لتوحيد جهود المواجهة وتشبيكها.
ويدعم هذا الاتجاه الميل الشديد إلى الاستفادة من آثار العولمة الاتصالية والتكنولوجية فى الإبقاء على مظاهر الحياة فى مواجهة عوامل الفناء التى يمثلها الفيروس بحسبانه تحديًا عالميًا ترك آثاره السلبية على شتى مناحى الحياة فى انحاء العالم المختلفة بل أن انتشاره فى حد ذاته كان مظهرًا من مظاهر العولمة واضحت مواجهته مظهرًا آخر لها، حسب زعم أنصار هذا السيناريو.
أما السيناريو الثانى فيذهب بعيدًا، حيث تندثر العولمة بكل مظاهرها التى ذكرناها آنفًا لصالح الإغلاق التام للحدود الوطنية وانكفاء الدولة على شواغلها الداخلية وتعظيم المصالح القطرية على حساب أفكار الاندماج والتعاون الإقليمى أو الدولى تحت شعار لا صوت يعلو على صوت صحة المواطنين، خصوصًا أن بعض الدول قد شهدت تسلل الفيروس إليها عبر مجموعات من المهاجرين أو الوافدين فى رحلات عمل أو سياحة أو غيره.
ولعل هذا الاتجاه الأخير يصادف هوى لدى مناصرى الشعبوية الذى يتهمون العولمة بإدخال العالم فى العديد من الأزمات لعل أقربها أزمة فيروس كورونا التى تحمل فى طياتها – وفق منطقهم – بذور فناء العولمة بما تدعو اليه من اعتبارات التباعد الاجتماعى / الجسدى التى تناقض مضمون العولمة القائم على التواصل وليس الانقطاع.
يبقى بين السيناريوهين طرح توازنى نصل فيه – وفق تحليلنا المبكر أيضًا – إلى أن الطرفين قد غالى فى تصوراته دون أن يراعى حقيقة أن الأزمة بتجلياتها سوف تؤثر على العولمة كعملية بتجلياتها أيضًا.
بعبارة أخرى لا يمكن حسم الجدل لصالح أى من الفريقين فى هذا الوقت المبكر بقدر ما يمكن التفكير فى أن أحد تجليات العولمة كالتواصل التكنولوجى سوف يبقى وربما يزداد خلال الفترة المقبلة فيما قد تشهد بعض مظاهر التعاون الاقتصادى العالمى مراحل من التراجع لصالح التنمية الذاتية القطرية.
إن الفيروس – كفاعل دولى – قد يدفع فى اتجاه إعادة الهيكلة بحيث تكون قيادة العالم لمن يستطيع إنقاذ البشرية عبر التوصل إلى مصل أو لقاح للقضاء على الفيروس ومن هنا نشهد ذلك التسارع والتنافس بين الدول على قيادة العالم عبر هذا الباب.
فى نفس الوقت نشهد تعاونا ومساعدات انسانية بين الدول – مصر والصين وروسيا والإمارات والسعودية وغيرها – للتغلب على تحديات الفيروس وأخطاره فى خطوة استباقية لحجز مقعد فى قطار إعادة الهيكلة الجديد .
إن عولمة الأوبئة وعولمة آليات مواجهتها ليست هى الشكل النهائى لعالم ما بعد كورونا، ربما تمثل مرحلة – لا نعلم مداها الزمنى – تؤدى إلى مرحلة أخرى تتبدل فيها الأدوار وتتغير فيها موازين القوى عما كان سابقًا لتظهر فواعل مختلفة وآليات تتناسب معها وطرائق تفكير تراعى مستجدات ما بعد الأزمة وصولاً إلى مشهد عالمى أسهمت أزمة فيروس كورونا فى الكشف عن ملامحه التى كانت قيد التشكل قبل سنوات.