البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
أحيانًا يلتبس معنى كلمتىّ الوطنية والمواطنة على البعض ويختلط معنى الوطنية مع معنى المواطنة.. الوطنية هى مشاعر الانتماء للوطن والإحساس بالولاء له والرغبة فى أن يكون أفضل الأوطان.

الكثير من الأغانى الوطنية المصرية تدفعك إلى الشعور بمشاعر وطنية قوية.. فمثلاً أغنية "مصر هى أمى" لعفاف راضى هى أغنية وطنية جميلة تجمع بين الوطنية والرصانة، من الطريف أننى أحبها أيضًا وبنفس المشاعر الوطنية بصوت وأداء فؤاد المهندس فى فيلم "أخطر رجل فى العالم".

"يا حبيبتى يا مصر" لشادية من الأغانى الجميلة ولكن تؤثر فى بشكل خاص أغنيتها "أقوى من الزمان" من تلحين عمار الشريعى وكلمات مصطفى الضمرانى وخصوصاً عندما تقول "لكن يا مصر أنتِ يا حبيبتى زى ما أنتِ، جميلة زى ما أنتِ وأصيلة زى ما أنتِ.. يا صاحبة المكان يا أقوى من الزمان" الربط ما بين العاطفى والوطنى يميز الأغنية، العاطفى لا بد أن ينتهى ولكن الوطنى لا ينتهى أبدًا، فكلاهما عواطف إنسانية ولكن العاطفة الوطنية أبقى وأسمى.

إذا رجعنا قليلًا إلى الأغانى الوطنية فى زمن الستينيات سنجدها تربط ما بين الوطنى والقومى؛ وذلك لأن الحلم الوطنى كان كبيرًا وممتدًا بقدر إنجازات تلك الفترة الهامة السياسية والاقتصادية والوطنية مصريًا وعربيًا.

أغنية "الوطن الأكبر" من تلحين محمد عبد الوهاب وغناء مجموعة من فنانى الزمن الجميل "نجاة، شادية، عبد الحليم حافظ، وردة الجزائرية، فايدة كامل"، والتى قُدمت لأول مرة فى حفل وضع حجر الأساس لبناء السد العالى فى يناير 1960 من أجمل الأغانى التى ارتبطت أولًا بذكريات الجيل الذى شهدت الستينيات فترة شبابه أو حتى طفولته، ولكنها ما زالت مستمرة حتى اليوم.

تغير الزمان فى وقت ثورتى 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، فأصبح الوطن فى محنة هائلة تحتاج إلى مُنقذ، رجل وطنى شجاع، بطل عظيم ينتشل الوطن من على حافة الهاوية بل وينتشل المنطقة العربية بأسرها من الضياع والنهاية الفوضوية المحتمة والضبابية، فارتبط الناس فى تلك الفترة بأغنية وطنية شعبية مبهجة "تسلم الأيادى" لشكر هذا البطل الذى قاد فريق عمل القوات المسلحة ومن ثم الوطن بأكمله بكل اقتدار وسماحة.. أيضًا أغنية أحمد جمال "تحيا مصر" وما بها من شجن وطنى محبب. كل تلك الأغانى الوطنية وغيرها تعبر عن المشاعر الوطنية للمصريين بصور فنية جميلة ومتعددة.

أما المواطنة فهى كونك مواطنًا وما يستتبعه ذلك من أن جميعَ المواطنين متساوون فى حقوقهم المدنية والسياسية، مهما اختلفت أفكارهم أو معتقداتهم أو دياناتهم أو أصولهم العرقية، فهم جميعًا لدى القانون سواء ولا تفرقة بينهم على أساس الدين أو اللون أو الجنس.. فكلًا من الوطنية والمواطنة مرتبطان ببعضهما إلى حد كبير ولكن بينهما فرق كبير.. الوطنية عاطفة ومشاعر انتماء، أما المواطنة فهى حقوق وواجبات وممارسات ديمقراطية.

توجد أنواع متعددة من الحقوق التى ينص عليها الدستور المصرى وهى تنقسم إلى ثلاثة أنواع أساسية: حقوق مدنية وحقوق سياسية وحقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية، الحقوق المدنية مثل حق المواطن فى الحياة، وعدم إخضاعه لما يتناقض مع الحياة الكريمة كالتعذيب والاسترقاق والإكراه، الاعتراف بحرية كل مواطن طالما لا تخالف القوانين، عدم إجراء أية تجربة طبية أو علمية على مواطن دون رضاه، حق كل مواطن فى الملكية الخاصة، حرية التنقل وحرية اختيار مكان إقامته داخل حدود الدولة، أو مغادرتها والعودة إليها، حقه فى أن يُعترف له بالشخصية القانونية، وعدم التدخل فى خصوصياته، حقه فى حرية الفكر والدين والاعتناق، وحرية التعبير وفق النظام والقانون، حق الطفل فى اكتساب جنسيته، حق الأجانب والمقيمين من غير المواطنين، حق التقاضي، حقوق الأقليات من حيث التمتع بثقافتهم وممارسة دينهم واستعمال لغتهم.

الحقوق السياسية مثل حق الانتخاب والمشاركة فى الحياة العامة، الحق فى التجمع السلمى، حق كل مواطن بالعضوية فى الأحزاب، الحق فى تقلد الوظائف العامة فى الدولة.. الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مثل حق كل مواطن فى العمل، حق كل مواطن فى التمتع بحد أدنى من الرفاه الاجتماعى والاقتصادى، الحرية النقابية من حيث الانضمام للنقابات والحق فى الاضراب، توفير الحماية الاجتماعية والحق فى الرعاية الصحية، حق كل مواطن فى التعليم والثقافة.

لكن الوطنية فى زمننا المعاصر، بالإضافة إلى حب الوطن، من الممكن أن ترتبط أيضًا بمحبة القانون والحريات العامة واحترام حقوق الإنسان والتسامح مع الاختلافات الإثنية والقومية والبحث عن الصالح العام، فثمة ارتباط حديث بين الوطنية والمواطنة والبحث عن نماذج جديدة للتضامن الاجتماعى فيما أسماه الفيلسوف الألمانى المعاصر يورغن هايبرماس "الوطنية الدستورية" والتى تبحث عن استقرار ولاء المواطنين لبلدهم ليس فقط على فكرة المجتمع المتجانس، ولكن على أرضية مشتركة من الولاء للمبادئ الليبرالية العامة كما أقرها دستور الدولة الليبرالية الحديثة؛ وذلك لضمان أن المواطنين الذين يتشاركون فى أنواع مختلفة من الحياة العرقية والثقافية والدينية يمكنهم جميعًا التعايش معًا والوقوف على قدم المساواة وعلى مسافة واحدة من علاقتهم بالدولة، كما أشار هايبرماس إلى أن الدولة الدستورية الحديثة يجب أن تضمن أن ثقافتها السياسية ليست لصالح أو ضد أيٍ من شركائها الوطنيين.. يشير حادث مقتل المواطن الأفروأمريكى جورج فلويد على يد شرطى فى مدينة مينابوليس بولاية مينيسوتا الأمريكية، كيف أن بعض مشكلات المجتمع يمكنها أن تنعكس فى صورة انتهاكات للدساتير ولحقوق المواطنة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز