الدكتور حسن سلامة
هل يمكن تأجيل الانتخابات البرلمانية فى ضوء انتشار وباء فيروس كورونا فى مصر وغيرها من دول العالم؟
كيف يمكن ضمان سلامة الحالة الصحية للناخبين حال الاستقرار على إجراء الانتخابات البرلمانية حسب موعدها المقرر فى نوفمبر المقبل؟
هل نتوقع تأثر نسبة المشاركة أو امتناع فئات بعينها حال تنظيم الانتخابات فى موعدها؟
أسئلة متعددة طفت إلى السطح مع مناقشات مجلس النواب للاطار التشريعى المنظم للعملية الانتخابية للبرلمان بغرفتيه النواب والشيوخ.
إن محاولة استشراف إجابات قطعية على مثل هذه الأسئلة وغيرها، يستدعى بالضرورة الوقوف أولا على نماذج وتجارب دولية ومدى تأثرها بانتشار هذا الوباء العالمى، مع الأخذ فى الاعتبار تباين ردود الأفعال الدولية إزاء هذه الاستحقاقات الدستورية.
فثمة دول آثرت التأجيل تحت مبرر الحفاظ على صحة المواطنين، حيث قامت أكثر من خمس عشرة ولاية أمريكية بتأجيل الانتخابات التمهيدية للرئاسة، وأجلت المملكة المتحدة الانتخابات المحلية لمدة عام، وأعلنت إثيوبيا أنه سيتم إعادة جدولة الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها فى أغسطس المقبل، وبلغ إجمالى الدول التى قررت تأجيل فعالياتها الانتخابية نحو اثنتين وخمسين دولة حتى الآن.
فيما خاطرت دول أخرى بإجراء الانتخابات بحجة الالتزام بالقواعد الدستورية، وقد برز هذا الأمر خاصة فى الدول التى كانت تشهد تأجيلا للانتخابات من أعوام سابقة، ومنها إيران وغينيا وسويسرا وكوريا الجنوبية وغيرها.
وتظهر المعضلة الحقيقية فى إمكانية تحقيق التوازن المنشود بين إعلاء قيم الديمقراطية والحرية، والمشاركة مع الحفاظ - فى الوقت ذاته - على صحة المشاركين فى العملية الانتخابية على تنوعهم واختلاف مراحلهم العمرية.
نماذج دولية فى إجراء الانتخابات رغم كورونا:
كوريا أولا:
حظيت كوريا الجنوبية باهتمام إعلامى كثيف مع إجرائها انتخابات تشريعية فى الخامس عشر من أبريل الماضى، مع أنها كانت ضمن دول الموجة الأولى لانتشار وباء الكورونا، واستطاعت الإجراءات الحكومية الصارمة والالتزام الشعبى بها تحقيق الهدف بانحسار هذه الموجة.
لذلك اتخذت الهيئة المشرفة على الانتخابات قرارها بإجراء العملية الانتخابية، مع تطبيق عدة إجراءات لتأمين الناخبين والعاملين فى مراكز الاقتراع، التى بلغ عددها 14 ألفا؛ منها:
الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعى مسافة متر على الأقل أثناء الانتظار قبل الدخول إلى مكان التصويت، استجابة للافتات الإرشادية المعلقة على أبواب اللجان.
إلزام الناخبين بارتداء الكمامات الطبية.
قياس درجة حرارة الناخبين قبل الدخول إلى مراكز الاقتراع التى زاد عددها.
فى حال الاشتباه فى أحدهم يتم توجيهه الى غرفة خاصة للتصويت حتى لا يخالط باقى المواطنين.
قيام الناخب بتعقيم اليدين وارتداء القفازات اثناء التصويت.
تطهير مقار اللجان الانتخابية على مدار اليوم.
تخصيص عدد من اللجان لمصابى فيروس كورونا وأخرى للعاملين فى مجال الرعاية الصحية فى المناطق المتضررة من الفيروس بشدة منعا لمخالطة الاصحاء ونقل العدوى.
تخصيص وقت محدد من اليوم للناخبين الخاضعين للحجر المنزلى كالعائدين من السفر أو المخالطين لبعض المصابين، للتصويت لمنعهم من مخالطة المواطنين غير المصابين.
منع الخاضعين للحجر المنزلى من استخدام وسائل النقل العامة، للوصول إلى مراكز الاقتراع بانتخابات الولايات الأمريكية: ويسكونسن نموذجا.
وكان هناك أيضا إجراء الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطى الأمريكى فى ويسكونسن فى أبريل، التى تهدف إلى اختيار مرشح الحزب لخوض انتخابات الرئاسة ومنافسة الرئيس ترامب فى نوفمبر المقبل.
فقد صاحب موعد هذه الانتخابات ازدياد عدد الإصابات والوفيات بشكل مروع فى أمريكا، وصدور أوامر تنفيذية من حكام الولايات، ومنها هذه الولاية، بالبقاء فى المنازل وعدم الخروج إلا للحصول على الطعام وفى حالات الطوارئ.
وأثار توقيت هذه الانتخابات خلافات عميقة بين المؤيدين للاستمرار فيها من أنصار المرشحين والذين بذلوا الكثير من الوقت والجهد استعدادا لهذا اليوم المنشود، وبين المنتقدين لإجرائها حفاظاً على صحة الناخبين والعاملين فى مراكز الاقتراع.
عندما أصدر حاكم الولاية، الذى ينتمى إلى الحزب الديمقراطى، قرارا بتأجيل الانتخابات وأيده فى ذلك المجلس التشريعى للولاية، الذى يسيطر عليه الحزب الجمهورى، فإن المحكمة العليا رفضت هذا القرار مؤكدة ضرورة عقد الانتخابات فى موعدها.
وأجريت الانتخابات فى موعدها وجاء الإقبال ضعيفاً، وانتظر الناخبون ساعات، واعتذر كثير من المتطوعين عن العمل فى مراكز الاقتراع حفاظاً على أرواحهم، مما دعا حاكم الولاية إلى الاستعانة بقوات الحرس الوطنى للحلول محلهم.
وتم الالتزام بالإجراءات الاحترازية ضد انتشار المرض كارتداء الكمامات والقفازات والقيام بالتعقيم، وإقامة حواجز زجاجية نفصل بين الناخب والعاملين فى مركز الاقتراع، واستخدام شاشات إلكترونية للتصويت بدلاً من الورق، تعقم بعد قيام كل ناخب بالتصويت. واستخدام قاعات لها أبواب الكترونية تفتح تلقائياً ولا تتطلب الملامسة عند الفتح أو الغلق. كما تم استخدام أسلوب التصويت بالبريد فى حالة الأشخاص الذين لا تمكنهم ظروفهم من الحضور وذلك وفقاً لقوانين الولاية.
الانتخابات البرلمانية فى مصر وتداعيات أزمة الفيروس:
باستقراء نصوص الدستور، نجد المادة الرابعة التى تُعلى مبدأ السيادة للشعب وحده، يمارسها ويحميها، وهو مصدر السلطات ، كما تنص م 87 من الدستور ذاته على أن مشاركو المواطنين فى الحياة العامة واجب وطنى، ولكل مواطن حق الانتخاب والترشح وإبداء الرأى.
كما تنص المادة 92 على أن هذه الحقوق والحريات لا تقبل تعطيلًا ولا انتقاصًا ولا يجوز لأى قانون أن ينظم ممارسة الحقوق والحريات بما ينال من أصلها وجوهرها.
وفى باب نظام الحكم يأتى الفصل الأول «السلطة التشريعية»، ممثلة فى مجلس النواب، بالمواد من 101 إلى 138، لينص على ان مدة عضوية المجلس خمس سنوات تبدأ من تاريخ أول اجتماع، وتجرى انتخابات المجلس الجديد خلال الستين يومًا الباقية على انتهاء مدته.
ويأتى أيضا وفى ذات الأهمية التعديلات الدستورية التى جرى الاستفتاء عليها، والمنشورة بالجريدة الرسمية منذ 23 أبريل 2019، منها ما يخص تشكيل مجلس النواب وأن يبين القانون شروط الترشح، ونظام الانتخابات وتقسيم الدوائر الانتخابية.
كما منها أيضا ما يخصص لمقاعد المرأة من عدد المقاعد لا يقل عن ربع إجمالى المقاعد، وتمثيل العمال والفلاحين تمثيلًا ملائمًا، والشباب والمسيحيين والأشخاص ذوى الإعاقة والمصريين المقيمين فى الخارج. وهى التعديلات التى فرضت مناقشة مجلس النواب لقانونى مباشرة الحقوق السياسية وانتخابات مجلس النواب تنظيما للانتخابات المقبلة.
يرتبط بما سبق أيضا ما تم إضافته إلى الدستور وهو الباب السابع «مجلس الشيوخ» وتحديد مسؤولياته واختصاصاته الدستورية، وعدد أعضائه ومدة عضويته وانتخاب ثلثى أعضائه بالاقتراع السرى المباشر على النحو الذى ينظمه القانون، وشروط الترشح، وأن تسرى فى شأنه 123 مادة من مواد الدستور فى باب السلطة التشريعية، وحق الأعضاء فى ممارسة أدوات الرقابة من طلب المناقشة والاقتراح برغبة، وأن يُعمل بتلك التعديلات من تاريخ إعلان موافقة الشعب عليها بالاستفتاء أى اعتبارًا من 23/4/2019.
وهى نصوص وأحكام دستورية جديدة وهامة وواجبة الاتباع، وهو ما تمت مناقشته داخل مجلس النواب وتم الاتفاق على أن يتكون مجلس الشيوخ من 300 عضو، مع تخصيص نسبة 10 فى المائة للمرأة على ان يتم انتخاب الثلث بالنظام الفردى والثلث بالقائمة المغلقة والثلث يعينه رئيس الجمهورية.
وهكذا نصل الى حقيقة مهمة وهى وجوب اجراء الانتخابات البرلمان فى موعدها الدستورى والذى يدور حول الأسبوع الأول من نوفمبر حيث ينهى مجلس النواب الحالى دورته فى العاشر من يناير عام 2021.
وهنا تثور العديد من السيناريوهات التى يتعين التمعن فى دراستها منذ اللحظة حتى لا نفاجأ بمداهمة الوقت، فثمة من يذهب الى إمكانية مد فترة الدورة البرلمانية لمجلس النواب الحالى لحين انتهاء ازمة الفيروس وهو أمر مخالف للنصوص الدستورية التى توجب فض الدورة البرلمانية فى موعدها المقرر كما أنها لا تسمح بمد هذه الفترة لاى سبب من الأسباب.
وثمة من يرى إمكانية تأجيل الانتخابات مع استكمال البرلمان لمدته لتنتقل سلطة التشريع بمراسيم وقرارات لها قوة القانون إلى السيد رئيس الجمهورية وهو أمر يتم عادة فى ظروف استثنائية مع وجوب عرض هذا القرارات على البرلمان الجديد حال انتخابه حتى يستمر الشعب فى ممارسة السيادة عبر ممثليه المنتخبين.
وثمة اتجاه أؤيده، يذهب إلى حتمية إجراء الانتخابات فى موعدها استمرارا للبناء المؤسسى لسلطات الدولة المصرية وتدعيما للحقوق الديمقراطية مع الاستفادة من تجارب الدول الأخرى – لا سيما كوريا الجنوبية – فى فرض الإجراءات الاحترازية التى تضمن حياة المواطنين وتكفل تعزيز المشاركة السياسية.
مقترحات الحل:
فرض إقامة الحملات الانتخابية والتجمعات فى مناطق مفتوحة مع الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعى.
استخدام التطبيقات الالكترونية للتواصل مع الناخبين متى توافرت الظروف لذلك توفير اكبر عدد من المتطوعين.
لتنظيم عملية دخول الناخبين الى مراكز الاقتراع.
تقسيم العملية الانتخابية على عدة أيام يمكن أن تمتد الى 4- 5 أيام.
زيادة عدد اللجان الانتخابية داخل الدائرة الواحدة – إن أمكن – تجنبا للزحام.
اللجوء إلى استخدام أقلام المرة الواحدة للتصويت على ورقة الانتخاب بعد تعقيمها.
تخصيص توقيتات ولجان لكبار السن والأشخاص ذوى الإعاقة لا يزاحمهم فيها باقى الناخبين.
تخصيص لجان انتخابية للعاملين فى قطاع الرعاية الصحية فى مناطق الحجر لا يدخلها سواهم مع الالتزام بأقصى درجات الوقاية.
استحداث لوحات تصويت إلكترونى تتضمن قواعد بيانات الناخبين داخل كل لجنة بدلا من أوراق الانتخاب توفيرا للنفقات.
تخصيص مسارات متباعدة بين الناخبين مع وجوب الالتزام بها.
فرض ارتداء الكمامات والقفازات مع توقيع غرامات فورية على المخالفين.
تعقيم مراكز الاقتراع على مدار اليوم لبث الثقة والطمأنينة فى نفوس الناخبين.
تخصيص توقيتات للمراحل السنية المختلفة على مدار أيام التصويت.
تخصيص سيارات اسعاف مجهزة بالقرب من مقار اللجان الانتخابية تحسبا لأى طارئ.
توفير لجان للسيدات ليسهل تنظيمهن بعيدا عن التعرض للمضايقات المحتملة عند الاختلاط.
الاستفادة من الساحات المفتوحة كالاستادات ومراكز الشباب كلجان انتخابية ميدانية يتم بناؤها لغرض الانتخاب فقط.
تقسيم العملية الانتخابية جغرافيا على مرحلتين زمنيتين وتقييم المرحلة الأولى وتلافى عيوبها فى المرحلة الثانية
إفساح المجال للمرشحين باستخدام القنوات التليفزيونية بتوقيتات متساوية لعرض برامجهم تلافيا للتجمعات المباشرة.
تصميم حملات الدعاية بشكل مختلف يجمع بين الترويج للمرشح واحتياطات الوقاية أثناء الإدلاء بالصوت لخلق وعى جمعى بصورة أسرع.
استخدام حواجز زجاجية تفصل بين الناخب والعاملين فى اللجنة الانتخابية بقدر الإمكان.
تشكيل لجنة أزمة فورية فى شأن الانتخابات تضم أعضاء الهيئة الوطنية للانتخابات وخبراء العلوم السياسية والاجتماع والإعلام والقانون والتكنولوجيا، فضلا عن ممثلى الجهات التنفيذية والسيادية كالخارجية والداخلية والدفاع والمخابرات العامة والمالية، تستمر فى حال انعقاد دائم – منذ الآن - لمراجعة البدائل المحتملة والوزن الترجيحى لكل بديل وصولا إلى أفضل الحلول التى تضمن خروج الانتخابات بالصورة المثلى من كافة الجوانب، مع الأخذ فى الاعتبار التكلفة المالية المطلوبة لإجراءات التعقيم والتطهير.
توفير لجان آمنة صحيا للناخبين المصريين فى الخارج، بالتعاون مع مؤسسات الدول الأخرى لضمان مشاركتهم فى الانتخابات.
يشار إلى أننا لم نذكر التصويت الإلكترونى كأحد البدائل، وتمت الاستعاضة عنه باللوحات الالكترونية فى مقار اللجان نظرا لغياب البنية الرقمية التى تسمح بالتصويت الالكترونى فى بعض الأماكن من ناحية وصعوبة تأمين عملية التصويت الكترونيا من ناحية أخرى.
إن أى تأخير فى دراسة هذه المسألة ستكون لها تداعياتها السلبية على نسب المشاركة خاصة من فئات بعينها مثل المرأة وكبار السن والأشخاص ذوى الإعاقة وأصحاب الامراض المزمنة وغيرهم، وهو ما يستوجب التحرك السريع لمناقشة تلك المقترحات وغيرها تفاديا لمأزق دستورى غير مرغوب.
والمطلوب أن تعد الهيئة الوطنية للانتخابات بقيادتها وأعضائها الأكفاء – منذ اللحظة – العدة لإتمام الانتخابات فى موعدها، ودراسة كل الإجراءات التى تضمن حياة المواطنين وتكفل إجراء انتخابات ديمقراطية شفافة تمثل إضافة حقيقية للدولة المصرية وانتصارا جديدا على هذا الفيروس اللعين.