مريم عيد
توجد محافظات ساحلية وريفية وأخرى بدوية، فى أقصى الجنوب السد العالى كواحد من أهم الإنجازات فى العصر الحديث، ومركز الدكتور مجدى يعقوب للقلب، فى الأقصر وقنا أهم وأقدم الآثار على مستوى العالم، محافظتا المنيا وأسيوط من أهم المراكز التجارية والمالية فى الوجه القبلى، أهرامات الجيزة تظهر فى الصور كدليل على مدى قدم ورقى الحضارة المصرية، القاهرة بتنوعها المصرى الثقافى: آثار فرعونية ويونانية ورومانية وإسلامية وقبطية، المنصورة بمراكزها الطبية وفى مقدمتها مركز الدكتور محمد غنيم للكلى، الإسكندرية ميناء مصر الأول، مدن القناة وطوابعها الساحلية، محافظتا سيناء الشمالية والطابع العريشى، وسيناء الجنوبية والطبيعة الخلابة التى تميل إلى السكون، الاستقلال البشرى للمجتمعات المحلية هو بالفعل متحقق، فنظرا لقوة الشخصية المصرية تستطيع أن تكسبه بعداً بيئياً مميزاً دون أن تفقده انتمائه المصرى.
ثروات بشرية وثروات سمكية وحاصلات زراعية وموارد معدنية ومائية وبترولية وغازية، ولكن ينقصها التنمية المستدامة والتنسيق فيما بين كل تلك الموارد لإعادة توزيعها بصورة سليمة تبعا لاحتياجات كل إقليم ولصالح النشاط الاقتصادى المصرى الذى يفتقد وجود المحليات كحكم محلى أو كتنمية محلية، ولكنها مجرد تقسيم محلى!
لكن كيف يتم هذا التنسيق؟ كيف يتحقق وكل إقليم يعزف بصورة منفردة ولا يشترك فى معزوفة واحدة جماعية مصرية قوية ومتكاملة يمكن أن ينتقل صداها إلى العالم بأسره؟ لأن كل إقليم لا يحكم نفسه ذاتياً بصورة مستقلة، لكن من ناحية أخرى الاستقلال الكامل أمر غير مطلوب، أى لو افترضنا فيدرالية مصرية، النظام الفيدرالى من الممكن تطبيقه فى الدول التى توجد على مساحات متباعدة مثل أمريكا أو كندا أو الدول ذات الإثنيات المتعددة مثل الهند.
أما لو تم تطبيقه فى الدول العربية أو لدينا فى مصر فسيؤدى إلى مزيد من التكلفة والتعقيد وكثرة الأجهزة الإدارية والتعقيدات البيروقراطية وستمثل المحليات عبئاً مضافاً لكاهل الدولة يعيق تقدمها وتطورها للأفضل.
إن الفرق بين الكونفدرالية والفيدرالية، هو أن الكونفدرالية هى تعاون واندماج واسعان فى عدة مجالات بين عدة دول، مثل الوحدة التى كانت يوماً ما بين مصر وسوريا "الجمهورية العربية المتحدة" فى 1958، أما الفيدرالية فهى فى نطاق الدولة الواحدة حيث يكون لكل إقليم حكم محلى ذاتى كوحدة حكومية أصغر فى ظل الدولة الواحدة.
فى الدولة الفيدرالية لا يمكن للمحافظات أو الأقاليم أن تنفصل عنها أو أن تمنحها الدولة حق الانفصال، ولكن فى الكيان الكونفدرالى لا يوجد ما يمنع أى دولة من الانسحاب من هذا الإتحاد الكونفدرالى كما انتهى مشروع الوحدة مابين مصر وسوريا فى 1961، بالإضافة إلى أن النظام الفيدرالى لم يحالفه الحظ فى بعض الدول العربية التى تم تطبيقه بها وكان مناخاً حاضناً للصراعات القبلية والعرقية والطائفية والمناطقية، وبالتالى عرضة للانقسامات الداخلية وللحركات الانفصالية كما حدث فى السودان واليمن والعراق: حرب أهلية فى اليمن، وانفصال جنوب السودان وتطلع شرقه وغربه الآن إلى الانفصال، والصراعات المتجددة فى العراق وظهور داعش، علماً بأن السودان تحديداً لو كان قد وجه سياساته منذ البداية نحو تنمية ثرواته المتعددة المستغلة وغير المستغلة كان بإمكانه الإسهام بصورة رئيسية فى تحقيق الاكتفاء الذاتى ليس للسودان فقط ولكن للوطن العربى بأكمله.
المطلوب فى مصر هو تحقيق الاكتفاء المالى والتنموى لكل محافظة، وتفعيل دور الأجهزة المحلية بداية من انتخابات المحليات، فإذا كان تعريف الديمقراطية هو "حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب"، يتجلى ذلك لدينا فى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالأكثر، ولكنه لا يظهر بصورة إقليمية، جميعنا يتذكر جيداً أيام الانتخابات الرئاسية والاستفتاءات العامة، لكن لا توجد أى ذكريات بالمرة لانتخابات المحليات لدى المواطن المصرى، يكاد لا يشعر بها أساساً ولا يعرف عنها شيئاً.
كما يتزايد الإيمان بأهمية دور الحكومة المركزية حتى فى أقوى الديمقراطيات للحفاظ على القانون والنظام وصيانة الحقوق وحماية الحريات، وكمشرف عام على تحسين مستوى الأداء الحكومى والرقابى ومستوى المعيشة.
فى مصر يبدو أن الفكر الأبوى مازال مسيطراً علينا فيما يخص الدولة ونظام الحكم بها واقتصادياتها بما يعيق آفاق وطموحات التنمية المحلية فكيف؟ ومتى يتسنى لنا الخروج من عباءة المركزية إلى اللامركزية؟ وللحديث بقية.