البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
كلما شاهدت عيبا فى تنفيذ بعض الإنشاءات تذكرت الفيلسوف الألمانى إيمانويل كانط، ذلك الفيلسوف الذى تحدث عن أهمية الخيال والمخيلة فى بناء المعرفة، وهناك حاجة كبيرة للاهتمام بتنمية القدرة على الخيال وإطلاق ملكة المخيلة لدى الناس.

يحدث ذلك حين أرى "بالوعة" ناتئة فى عرض الطريق، وأتساءل لماذا اختار مهندس الإنشاءات أن يضعها فى منتصف الطريق تمامًا، بدلا من وضعها فى أسفل نقطة لتتلقى مياه الأمطار، يحدث ذلك ايضًا حين أرغب فى الدوران بالسيارة للخلف، لأفاجأ بنتوء الرصيف بشكل حاد كما السكين، أو أن يأتى الدوران بعد تقاطع فأتساءل فى تعجب لماذا لم يتم إنشاء الدوران قبل التقاطع؟ ألم يكن ذلك أفضل من حيث تقليل الازدحام وأيضًا الحد من حوادث السيارات؟

هذه الأمثلة وغيرها كثير تدفع للتساؤل حول أهمية تدريب الناس على الخيال والمخيلة، وكيف أن الغرب استطاع أن يغزو آفاق العلوم والتكنولوجيا، ولازال يفعل ذلك بفضل هذه الملكة، والتى تحدث عنها الفيسلوف الألمانى كانط، الذى يرتبط الخيال عنده بالتمثل، إذ يقول كانط: "الربط هو المتمثل الوحيد، من بين جميع التمثلات، الذى لا يمكن أن تحققه لنا الأشياء، بل يمكن للذات وحدها أن تقوم به باعتباره من أفعالها التلقائية، فالربط عبارة عن تمثل لوحدة المتنوع التركيبية"، وهو هنا يرى أن التمثل فعل ذهنى يقوم على ملكتين رئيسيتين هما ملكة الحدس وملكة الفهم، وأن كلاهما يقوم على أساس واحد، إنه الرؤية التى قد تكون مباشرة أو بسبب الخيال أو المخيلة.

إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا


والحقيقة أن القدرة على الخيال والتمثل هى ما كان يمكن أن توفر لمهندس الإنشاءات الرؤية المطلوبة لاختيار موقع تلك البالوعة الناتئة، والاستفادة القصوى منها، وهو أيضًا ما كان سيوفر لمهندس الطرق التخيل لدوران السيارة حول النتوء الحاد فى الطريق، وكيف يمكن أن يحدث دوران السيارة بسلاسة وأمان لو لم يكن هذا النتوء حادًا كالسكين، وأنه لو كان الدوران قد تم إنشاؤه قبل التقاطع لوفر كثيرًا فى انتظار السيارات وقلل من فرصة اصطدامها ببعض عند التجاوز.

قد يبدو الحديث عن الخيال والمخيلة حديثًا فلسفيًا خالصًا، لكنه فى الحقيقة حديث يتعلق بالبناء، ليس فقط فى مجال الهندسة، ولكن فى مجال بناء الإنسان أيضا، فالخيال عند كانط هو بمثابة وسيط تقيم عليه الذات نشاطها الفكرى، حيث اهتم كانط بالخيال باعتباره الأساس الذى يجعل مختلف أشكال التمثل ممكنة، وهو نفس الشيء الذى قد يجعل المهندس قادرًا على تخيل وتمثل ما يقوم بهندسته، وأن يكون العالم قادرًا أيضًا على تمثل آفاق جديدة لعلمه، وكذا الطالب الذى تسعى الدولة لتطوير التعليم من أجله، سيكون قادرًا على البحث و الإبداع، وستكون الدولة إذًا قادرة على بناء أجيال جديدة متطورة.

أعتقد أنه من المهم جدًا فى هذه المرحلة التى تسعى فيها الدولة للبناء فى شتى المجالات، أن يتم الاهتمام بالفلسفة فى كافة مراحل التعليم، وأن يتم إدخالها فى المناهج التعليمية فى فترات مبكرة، ذلك أن الفلسفة على صعوبتها تفتح آفاق الفكر لدى الإنسان، فالفلسفة التى أطلق عليها اليونانيون ذلك الاسم ومعناه "محبة الحكمة"، تمنح من يتلقاها القدرة على التحليل، واستشراف الأفكار المختلفة، والتعامل معها بحكمة وروية، والاستفادة منها فى تدريب العقل على إدراك أوسع للاشياء وبلا تطرف.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز