البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
الأجيال التى شاهدت حادث المنصة 6 أكتوبر 1981 واغتيال الرئيس محمد أنور السادات، ظل المشهد محفورا بأسى فى ذاكرتها مصحوبا بغصة وطنية من نوع خاص فى القلب وأسى مكلوم وحزن دفين فى أعماق النفس، فحتى لو كنت من غير مؤيدى الرئيس السادات سيكون لك نفس المشاعر وستراه مشهدا سينمائيا وطنيا وداميا غادرا.

أصبح الآن لدينا ليس حادث منصة واحد وإنما امتدت حوادث المنصات الوطنية والعسكرية والشرطية والشعبية إلى جميع أنحاء الوطن مع التركيز فى الثلاث سنوات الأخيرة على شبه جزيرة سيناء وعلى الجيش والشرطة.

كم سيكون الحال بالأكثر لأطفال هؤلاء الجنود والضباط القتلى وعائلاتهم! بالإضافة إلى الجنود أنفسهم، فكونك جنديا أو ضابطا معناه أنك مهدد وأنك عرضة للقتل فى أى وقت، لماذا دائماً بموازاة الأعياد وفى خضم استعدادات المصريين للاحتفال بالعيد؟ فى كل مكان على أرض مصر تصلهم أخبار تتناثر منها قطرات الدم على ثياب العيد الجديدة، لك أن تتصور حالة الفزع والرعب والتى ستشكل بكل تأكيد عقدة نفسية لدى هؤلاء الأطفال تجعلهم متشائمين طوال أيام حياتهم من أيام الأعياد التى كانوا فيها يوماً ما على موعد مع جثث آبائهم.

يا ترى من يكره القتلة؟ هل يكرهون مصر؟ أم يكرهون رئيسها؟ أم مؤسستى الجيش والشرطة؟ يكرهونهم جميعا لأنهم لو كانوا أحبوا أحدا فيهم  لكانوا أبقوا عليه لصالح الباقين، وقبل الكل هم يكرهون أنفسهم، للجميع أخطاء، للجميع سلبيات، ولكن لو قام كل فصيل باستئجار إرهابيين للانتقام لتلك السلبيات لأصبحنا نعيش فى مجتمع الغاب، لماذا الجيش والشرطة تحديدا فى الثلاث سنوات الأخيرة؟ هذا يكشف أن من قام بذلك ليس إرهابيا فقط ولكنه إرهابى متواطيء مع قوى خارجية لمحاربة مصر.

فى جميع الحروب ومنذ أيام الهكسوس العدو معروف وميادين القتال ظاهرة، أما الآن فمصر فى حالة حرب لكن العدو غير معلن، وساحة القتال ممتدة، فما أصعبها من حرب! فنظراً لصعوبة استدراج مصر إلى الدخول فى حرب لسببين: لقوة جيشها، ولسياساتها الخارجية الحكيمة التى تميل بالأكثر نحو السلم، قرر العدو الخفى استدراج مصر إلى حرب بدون إعلان حرب.

أعلنت المشيئة الشيطانية المتربصة بمصر فى الخفاء: "سنباغت المصريين سنفنى جيشهم ونبيد شرطتهم، ولكن على مراحل وأجزاء ومسلسلات، سننتهج سياسة القتل البطئ، وستفوق أعداد الضحايا كل حروبهم السابقة، وستتحول مشاهد قتلى الجيش والشرطة إلى مشاهد اعتيادية فى النشرات الإخبارية، وسيكون زمان الحرب إلى ما لانهاية".

بنظرة سريعة للحوادث الإرهابية منذ السبعينيات والثمانينيات سنجد تحولاً جذرياً فى طبيعتها وأهدافها، وهذا يدل على أن العدو حى وليس تخيلى وأننا لا نحارب طواحين الهواء مثل دون كيشوت، ولكننا نحارب تلميذ نظامى  فى مدرسة العداء المستمر لمصر.

توجد عدة نقاط حول هذا السياق:

كان ينبغى أن نتعامل مع الأمر داخلياً وكأننا فى حالة حرب حقيقية، ولكنها حرب مضاعفة، وشديدة الصعوبة لأن العدو خفى ومجهول، أو كما تسميه الثقافة الشعبية المصرية "اللهو الخفى"، ولكن ينبغى ألا ننسى أن الحرب صعبة بالنسبة له أيضا، فهو يحارب جيش وطنى قوى، بل أقوى جيوش المنطقة العربية والشرق بأكمله، بالإضافة إلى بوليس مصرى ذكى، فتبعاً لموقع جلوبال فاير باور المتخصص فى الشؤون العسكرية فإن الجيش المصرى يحتل المرتبة العاشرة بين أقوى جيوش العالم متفوقا بذلك على كل جيوش المنطقة، بما فيها تركيا وإيران، كما أنه إذا عاينت قائمة حوادث الطائرات العسكرية فى العشر سنوات الأخيرة ستجدها تكاد تخلو تماما من اسم مصر، بالإضافة إلى أن الجيش المصرى يتفوق فى بعض أنظمة المدرعات على الجيش الإسرائيلى وبعض الجيوش الأوروبية.

عمل الجيش والشرطة هو بالأساس عمل ميدانى، فلا يكفى إذا حماية وتأمين القلاع الأساسية للجيش والشرطة من ثكنات عسكرية ومديريات أمن بل ينبغى تحصين كل أماكن الانتشار، الداخلية تنبهت بعد حوادث تفجيرات مديريات الأمن، وأحاط كل مبنى مديرية أمن نفسه بالفعل بسياج خرسانى، وكأن الإرهاب ينتقم من هذا السياج الأمنى فى الشرطة والجيش ليبدأ بالكمائن ونقاط التفتيش، لذا لابد من تكثيف المراقبة على أماكن الحماية والمراقبة ذاتها، يضيف لصعوبة المهمة ترامى الحدود المصرية، لا أتصور كيف ينجو أو يفر الجانى من الاعتداء على من يفترض أنهم حماة للوطن!

كان هدف الإرهاب فى البداية الشهرة فقط وتعريف الناس به، فمن حوادث اغتيال الشخصيات العامة كرفعت المحجوب فى 1990 وفرج فودة فى 1992 إلى انفجار مقهى وادى النيل فى ميدان التحرير فى 1993، ثم مذبحة الأقصر 1997، وانفجارات طابا وشرم الشيخ فى 2004، و2005، لينتهى الجزء الأول بحادث كنيسة القديسين فى يناير 2011 بضرب الوحدة الوطنية ركيزة الأمن القومى المصرى فى مقتل، فمن الشخصيات العامة والأسواق وأماكن التجمعات البشرية والسياح الأجانب إلى الجزء الثانى وهو إعلان الحرب غير الرسمية على الجيش والشرطة.

الجيش يستطيع أن يحمى نفسه، لأن فاقد الشيء لا يعطيه فالجيش الذى استطاع قبلاً أن يهزم قوى كبرى قادرا على ذلك، يجب أن يكون هناك توازن للقوى فى المنطقة، فعلى سبيل المثال فإن إسرائيل تفعل كل ما تفعله من تحصينات وتدريبات وتقنيات بل وأحياناً اعتداءات من أجل مبدأ هام بالنسبة لها ألا وهو "أمن إسرائيل" الذى هو أمر من الصعب اختراقه، على أساس أن وجود إسرائيل فى تهديد مستمر، لذلك فإن نظرية الأمن الإسرائيلى ليست ثابتة ولكنها تتغير وتتطور، ماذا عن "أمن مصر" مقبرة الغزاة؟

لا أقول نؤجل أى مشروعات كما يهوى البعض بمنطق مسطح ترديد ذلك، ولكننى أوافق على تأجيل مشروع واحد فقط من مشروعات مصر العملاقة المستمرة لصالح تأمين العمل الميدانى للجيش والشرطة، نشكر الله كثيراً أننا استعددنا فى وقت السلم ولم نأخذ برأى من هاجموا ذلك، فلا أحد يعلم متى ستحل أوقات الحروب.

هل أعلن أخيراً أحد أهم أطراف هذا العداء الخفى عن نفسه ليكشف عن وجهه القبيح فى ليبيا؟ لقد ظهر العدو الخفى على مسرح الأحداث تجاه الحدود الغربية لمصر! فعندما تعلن مصر أن سرت والجفرة خطوطاً حمراء على الجميع أن يحترم ذلك، لا أن يكون رد الفعل صبيانياً بأن سرت والجفرة ستكونان محلا هجوم.

أعجب من أمر الرئيس التركى الذى يهاجم "الديمقراطية" المصرية التى أطاحت برئيس منتخب، ألا يعلم أن الجماهير التى تكسب الشرعية هى نفسها التى تسقط الشرعية والتى عادت مرة أخرى عن طريق نفس صناديق الانتخاب، كيف يجرؤ على مهاجمة الديمقراطية المصرية وسياسة بلاده من المعروف أن انتهاكاتها المستمرة لحقوق الإنسان تعوقها عن الانضمام إلى الإتحاد الأوروبى!!؟

تحياتى الجزيلة لمحمد على باشا الحاكم الذكى والمستنير الذى اختلف مع الدولة العثمانية وانتصر عليها فى معركة "قونية"، كان محمد على يجيد الحكم على الأمور وأيضاً على الدولة العثمانية التى ورثت كثير من سلبياتها إلى بعض الأتراك، بل وإلى البلاد التى احتلتها من قبل وأهمها الاستبداد والاستنطاع.

لكن على مقربة من "العلمين" التى شهدت هزيمة قوى دولية، ستجدد مصر انتصارها فى "قونية" على الدولة التركية والتى لن تجد من يساندها، وسيكون فى عونها فقط مرتزقة العالم وفلول داعش، وستشهد ليبيا قريبا هزيمة ساحقة لتركيا لو سولت لها نفسها المساس بمصر أو ليبيا، لتمتلك ليبيا "علمين" جديدة، و تأتى إليها عائلات القتلى لزيارة ذويهم الذين زج بهم للموت فى الصحراء لكن كل ما عليها فيما بعد أن تحذر من اندساس الجواسيس فيما بينهم مرة أخرى إليها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز