البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
يلتف الليل حول عنق النهار يريد أن يطوقه، يخنقه، يبتلعه، النهار يتمخض، يتألم، ينادى: "أغيثونى!" منذ بضع ساعات كنت أملأ الدنيا نورًا وبهجةً ودفئًا، منذ ساعات فقط لم يكن أحد يستطع أن ينظر إلى سمائى! فشمس النهار كبير جندى لن تترك من تواتيه الجرأة أن ينظر إلى سمائى مبصرا، هذا إذا واتته الجرأة أصلا أن ينظر إلى بهائى فى ذلك الوقت.

ولكن بالرغم من كل حضورى تجرأ الليل الحالك المظلم البارد علىّ، يريد أن يصارعنى، يتمرد على سلطتى وسطوتى على الموقف والزمان والمكان، ولكن للأسف أعطى النهار الليل فرصته الذهبية تخاذل أمامه، ضعف، جبن أمامه، لم يدرك سر قوته، استطاع الليل المظلم الفارغ أن يقنع النهار بكل قوته وضيائه وبهائه ولمعانه وامتداده وسطوته بأنه لا معنى لوجوده، وبأنه باهت وضعيف وبلا معنى.

انتهز فرصة وجود السحب فى سماء النهار ليوهمه أنه كئيب ومعتم، وسمائه ملبدة بالغيوم وعليه أن ينتهى أو يتنحى أو يقدم استقالته.

ولكن مازال هناك بارقة أمل، إنه العصر حيث النهار والليل متعادلان مازال هناك أمل فى الانتصار حتى ولو بضربات الجزاء الترجيحية.

المعركة تدور رحاها وقت العصر الكئيب الملفق بأساطير الجدات، ورحيل الأجداد، والفتاة التى تغسل شعرها على ضفاف الترعة كما تخبرنا الأغنيات الحزينة، ليل آثم جرئ يلوى عنق النهار الذى كان جسورا ولكنه تخلى عن جسارته بكامل إرادته لعدوه الذى لم يأته من الخارج فقط، ليس من كوكب آخر أو من مجرة أخرى، ولكنه شريكه فى نفس السموات.

النهار مازال يتمخض يتوجع يتألم، ارتفع صوت استغاثاته أكثر وأكثر إلى عنان السماء ليشق كبدها، صرخاته تجثم على الصدور وتضيق بها الروح وتجعل الرؤية ضبابية فى جميع الأنحاء، الوقت تحول إلى محنة، إلى لحظة  احتضار للنهار.

سكان المحروسة متراصون منذ القدم فى مدرجات المسرح الرومانى، يتابعون بشغف اللعبة الفردية والجماعية التى لا يجهلون أصولها وقواعدها ولايعلمهما سوى الحكماء فى مختبرات النفس البشرية، والليل وشيطانه، مشجعو الليل أكثر صخبا وضجيجا، مشجعو النهار أغلبهم بُحت أصواتهم من ثقل قلوبهم، فقدوا إيمانهم بأنفسهم تخاذلوا كالنهار الذى يشجعونه.

وبالفعل قُتل النهار وحل الظلام، انتحر النهار فى وضح النهار وبقى الليل.

الليل الأسود الكئيب افترش السماء كتنين أخرق، الليل الذى كان منذ لحظات يحارب نور النهار، يتخذ الآن من مادة النور زينة لسمائه، ونجومه هى معرض حليه، قتله بالغش والزور والبهتان ليرث ما له ويتحلى به، ولكن خلفية المشهد سوداء حالكة كقلبه.

السر يكمن فى أنه قد خدعه، ولم يفته أن ينتهز فرصة التلبد العارض لسمائه بالغيوم ليوهمه بما ليس فيه رويدا رويدا، حتى ابتلعه وازدرده، دائماً مايفهم النهار اللعبة بعد أن يمسسه الضرر.

ولكن دوام الحال من المحال، وكما يقول الحس الشعبى المصرى "الحركة بركة"، فبفضل دوران الأرض حول نفسها استطاع النهار أن يُبعث من رقاده، استيقظ مشاهدو المسرح الرومانى على ضياءه المسكونى، وعنفوانه النقى، وتلألأه النشوان، ومسكره العتيق الذى يبعث على الصحو والتفاؤل.

توجد مناطق معتمة تستطيع أن تشيع الظلام، وهناك أقمار معتمة مدفوعة الأجر، لكنهم كيف استطاعوا البقاء والبناء على الرغم من كل تلك الإظلامات المتكررة؟ لا أحد يعرف على وجه التحديد.

هناك بقاع كثيرة لم يظهر بها الليل مرة أخرى، فلماذا يصر الليل على الوجود شبه الدائم فى منطقتنا؟ الليل والنهار متعاقبان بالفعل كل نهار يعقبه ليل، لكنهم هناك يتشبثون بالنهار.

أخذوا عهدا فى اليوم التالى أن يتمسكوا بصباح هذا اليوم بأقصى طاقتهم، لا شأن لنا فصباحنا منذ فجر التاريخ هو صباح البشرية بأسرها، تنبهوا أن الشموس توجد بداخلهم منذ آلاف السنين.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز