مريم عيد
أهى بلد متناقض تجمع ما بين الشىء وعكسه... ربما!... حتى فى الكتب المقدسة تجد عنها انطباعات مختلفة ففى القرآن الكريم "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين" وفى الكتاب المقدس "كجنة الرب كأرض مصر"، وفى مواضع أخرى كأنها أرض ملعونة، حيث تنصب اللعنات على فرعون وقومه.
توماس فريدمان، الكاتب السياسى الأمريكى، فى زيارته لمصر ومن نافذة القطار لاحظ أن هناك تناقضا ما على أرض مصر: ريفى وحضرى، غنى وفقير، أصيل ومعاصر، وربما هذا ما أوحى له بعنوان واحد من أشهر الكتب المعاصرة "السيارة ليكساس وشجرة الزيتون"، ليكون مقدمة لحديثه عن العالم والعولمة.
بما أن خصائص الدول تتجلى بالأكثر فى عواصمها، فالقاهرة العاصمة تعبر بوضوح عن هذا التناقض فى كلمات أغنية على الحجار "يا ضحكة حزينة، يا طايشة ورزينة".
مدينة الإسكندرية، ربما يغلب عليها الطابع الكوزموبوليتانى، لكن بالنسبة للقاهرة الجانب الكوزموبوليتانى هو أحد أهم أوجهها المتعددة.
فى القاهرة، تجد أسواق التحف والأنتيكات والعطور بخان الخليلى، وأحدث الماركات فى مصر الجديدة ومدينة نصر والمهندسين، الحديقة اليابانية وحديقة الأزهر، البيوت والقصور الأثرية مثل بيت السحيمى وقصر الأمير بشتاك، ومساكن وعشش العشوائيات، فى عهود سابقة قبل أن تتخلص منها مصر نهائياً، على ضفاف النيل بواخر و"تاكسيات نهرية"، ومراكب شراعية بدائية أيضا، كافيهات ومقاهى شعبية، محال تجارية وباعة جائلين.
على امتداد مصر توجد أقدم شبكة سكك حديدية فى بلاد الشرق وأهم ميناء جوى وأيضاً "التوك توك" فى القرى والعزب، والذى يمكنه أن يتسلل خلسة إلى المدن، مدارس وجامعات مصرية وأخرى أمريكية وبريطانية وفرنسية وألمانية.
عيون حلوان ومياهها الكبريتية للاستشفاء وعيون موسى فى شبه جزيرة سيناء وحمام كليوباترا فى مرسى مطروح، عاصمتها بلد الألف مئذنة، وأيضا هى بلد المسلات الشاهقة، محمية الغابة المتحجرة بالمعادى التى تضم أشجارا تحولت إلى حجارة منذ 35 مليون سنة من عصر الأوليجوسين، والشعب المرجانية فى البحر الأحمر، البحر المتوسط بوابة مصر الشمالية ولكنه يعكس طبيعة مصر المنفتحة على أوروبا والعالم العربى، يصب فيه نهر النيل العظيم القادم من إفريقيا.
مساحات خضراء وأشجار وزراعات على طول الطرق البرية من الدلتا للقاهرة، وفى سيناء تختلف البيئة المصرية فى الشكل إلى حد كبير، حيث تجتمع فى الصورة الجبال مع النخيل.
هل يوجد ثمة تناقض فى كل هذا؟... كلا.. ليس تناقضا بالمعنى السلبى ولكنه تنوع، إن مصر ثرية بتراثها البيئى وقبل كل شىء هى ثرية بمواردها البشرية المتنوعة أيما تنوع، أون والفسطاط، مصر الفرعونية واليونانية والقبطية والإسلامية، جامع عمرو بن العاص والكنيسة المعلقة، مواقع أثرية إسلامية ومسيحية ويهودية.
الوجهين البحرى والقبلى، المواطن السيناوى والبدوى والعريشى والسكندرى والقاهرى وسكان الأقاليم، المسلم والمسيحى، الأسمر والأبيض والمائل للبياض، فى التوجهات السياسية تجد الناصرى واليمينى والراديكالى والليبرالى، حتى بين أبناء الدين الواحد تجد الأغلبية السنية وبعض الشيعة، الإسلام الوسطى السمح الجميل على الطريقة المصرية، والإسلام الوهابى الأكثر تشددا، المسيحيون الأرثوذكس يشكلون أغلبية المسيحيين المصريين، حيث الكنيسة المصرية العريقة بتراثها الدينى والرهبانى والوطنى، وأيضا شقيقاتها الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستناتية بطوائفهما.
حتى فى كرة القدم، السؤال التقليدى للتعرف على الميول الكروية: "أهلاوى ولا زملكاوى؟" والترسانة والاتحاد السكندرى والمصرى البورسعيدى وبيراميدز.
طبيعة الحياة فى مصر تستوعب كل هؤلاء جميعاً، ليس تناقضاً ولكنه تنوعا وثراء بشريا كبيرا، وقدرة مصرية خارقة على استيعاب وهضم الخلافات، كل هذا دون منهج موحد منذ الصغر لدى المواطن المصرى يكرس لثقافتى التعايش وقبول الآخر، والتى غيابهما من شأنه أن يكرس لنمو جذور مشكلات الفتنة الطائفية، ودون وعى فعال بتنوعه وليس ثقافة باطنية.
هو متروك ليكتشف الآخر بنفسه ويتساءل عنه وتأتيه إجابات متعددة من مصادر شتى ربما يكون بعضها غير متعلم وغير مثقف وغير حضارى، يجمعها المصرى بصورة تراكمية طيلة حياته، ولكنه بدافع من حسه الحضارى وحسه الحضارى فقط هو قادر على التعامل مع الآخر وفق ما تمليه قواعد اللحظة والإنسانية، إذا المصرى متحضر بطبعه؟ بالطبع نعم.
على سبيل المثال، ومع وجود اختلافات بدرجة جوهرية أكبر، دولة مثل كندا يوجد بها مهاجرون من دول متعددة بجنسيات متعددة وأصول عرقية متنوعة وثقافات متعددة ولكنها تستطيع أن تجمعهم فيما يوصف بأنه "موازييك ثقافى"، وذلك تحت لواء الهوية الوطنية الكندية لتكون دولة من أكثر الدول تقدما فى العالم، وكانت أولى الدول التى طبقت سياسة التعددية الثقافية عام 1971 التى أعلنها رئيس الوزراء، بيير ترودو، والد رئيس الوزراء الحالى جاستين ترودو، لتأتى كل قوانينها و سياساتها الاجتماعية فى صالح هذا المبدأ، ولتثبت من خلال تجربتها العملية أن العلاقات العابرة للحدود والعابرة للثقافات قد أثمرت تنوعا ثقافيا، متحدية بذلك النظريات التقليدية عن النقاء العرقى والهوية الثابتة، ولينتقل التركيز إلى كيف يحيا الجميع معا فى سياق مشترك، فكلما قويت سيادة قوانين الدولة ازدادت قدرتها على دمج واستيعاب كل الاختلافات.
المجتمع المصرى بطبعه يستطيع استيعاب كل تلك الاختلافات دونما معلم نظامى، وإنما معلمه الأوحد هو عبقرية الزمان والمكان، وهاجسه الوحيد هو حسه الحضارى المتوارث عبر الأجيال. فى زيارة الرحالة الشهير ابن بطوطة لمصر عام 1326 قال عنها "قهرت قاهرتها الأمم" والقاهرة كرمز لمصر بأكملها، ربما يكتسب اسمها بعداً آخر، هو أنها قادرة بالفعل على قهر اختلافاتها وتناقضاتها.
ينبغى أن ننظر بالفعل إلى كل تلك الاختلافات والتناقضات وكل هذا التنوع على أنه مصدر ثراء ومصدر تنوع بصورة منهجية لنترجم طبيعة مصر فى قدرتها الخارقة على التصالح الذاتى مع نفسها إلى سياسات وتطبيقات ووعى نموذجى، فالناس يشكلون العالم كما يشاؤون من أجل الصالح العام، ونحن نغفل أحياناً عن الكثير من حقائقنا الطيبة والمبهرة.