أحمد عبد الحافظ
وعلى النجاح الذى حققته تجربة الدكتورة ليلى مع الجمعيات الأهلية، إذ لاقت قبول وثناء نقابة جامعى القمامة، إلا أن هذا النجاح لم يلاحق الدكتورة ليلى فى عملها سواء فى وزارة البيئة أو وزارة التنمية الحضارية، فآليات العمل داخل الحكومة مختلفة تماما عن العمل الأهلى و كذلك الخبرات والأدوات مختلفة.
فرغم أن الدكتورة نقلت ملف مواجهة القمامة معها من وزارة البيئة لوزارة التنمية الحضارية والعشوائيات بحجة أن العمالة فى قطاع جمع القمامة يسكنون فى المناطق العشوائية الخطرة لكن، للأسف، حتى الأن لا تزال منظومة جمع القمامة المنزلية غير قادرة على تلبية احتياجات المجتمعات الحضارية فى مصر.
لم يشهد الملف تطورا كبيرا باستثناء نموذج وحيد أسست حكومة المهندس شريف اسماعيل ثم تولت حكومة الدكتور مصطفى مدبولى استكمال تنفيذه، وهو المنظومة الجديدة للتعامل مع مخلفات قش الأرز التى كانت تتسبب لسنوات فى ظاهرة السحابة السوداء، وتقوم الفكرة على خلق طلب على هذه المخلفات من خلال إدخالها فى صناعات أخرى، الأمر الذى حقق للمزارع عائد مالى إضافى من هذه المخلفات بخلاف عوائد المحصول نفسه، وفى نفس الوقت أمنّت الحكومة خطوط توريد للمصانع التى تعتمد على قش الأرز.
ملف إدارة المخلفات وجمع القمامة المنزلية فى مصر مرتبط بتاريخ سئ منذ عام 2004 ووصل ذروته خلال أزمة "صفر المونديال" عندما قدمت مصر ملفها لتنظيم كأس العالم 2010، ولم تحصل على صوت من أعضاء المكتب التنفيذى للفيفا.
لكنى أذكر جيدا أن إحدى قيادات صندوق تطوير المناطق العشوائية والتى كانت تعتبر الدينامو المحرك للصندوق وقت تأسيسه، إذ انطلقت من الطرف الآخر للقصة، وهو أن تدعم الدولة عددًا من مصانع تدوير المخلفات بأنواعها المختلفة، وبذلك تتجنب قصة مطاردات جمع القمامة من المنازل، فهذه الطريقة فى التفكير النمطى لم تستطع فى أى وقت تحقيق الهدف المنشود، أو حتى الاقتراب من المظهر الحضارى.
وقد اقترحت هذه المبادرة أن تقوم الدولة بمشاركة المستثمرين من خلال منحهم أراض مرفقة بأسعار معقولة، على أن تكون مصانع تدوير القمامة تلك موزعة جغرافيا بحيث يكون لكل محافظة عدد محدد من المصانع يتناسب مع كثافة السكان.
وبتأسيس هذه المصانع تخلق الدولة طلبا على القمامة من كافة المحافظات والمدن، ما يدفع هذه المصانع إلى البحث عن موردين لها داخل النطاقات الجغرافية القريبة منها، وإبرام عقود توريد طويلة الأمد مع هؤلاء الموردين، والموردين سيقومون بدورهم بالتعاون مع جامعى القمامة الصغار فى كل منطقة وحى للحصول منهم على كميات القمامة التى يجمعونها يوميا بمقابل يومي، ليتمكن الموردون من تلبية الكميات التى تعاقدوا عليها مع المصانع.
هذه المنظومة من المفترض أن تضمن دخل ثابت لجامعى القمامة، وتضمن إخلاء يومى لتجمعات القمامة العشوائية التى تظهر فى الشوارع، لأن هناك من يبحث عنها، وأصبح لها قيمة، فهناك الكثيرون ممن يبحثون عنها ويرغبون فى سرعة رفعها وتوريدها والحصول على المقابل المالى لها.
هذا النموذج يبدو مثاليا حتى الآن، والأقرب لتحقيق نجاح ملموس على أرض الواقع، إذ أنه سيمكن الدولة من تحقيق طفرة فى الإدارة الحضارية للمدن المصرية دون التورط فى تفاصيل فنية كثيرة و مستنزفة، فى مقابل توفير فرص عمل وخلق استثمارات جديدة فى السوق، ولكنه النموذج الوحيد الذى لم تحاول الحكومة تجربته حتى الآن!