البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
تغيير مجرى الحديث والتطرق إلى أديان الآخرين بغير مناسبة بالطبع أمر غير لائق، كما أن الحكم على مدى تدين الأفراد وما بضمائرهم بالطبع أمر شخصى بين كل إنسان وربه، أما الحديث عن الأديان من قبل بعض الشخصيات العامة المعروفة بتسامحها وثقافتها فهو أمر صحى يوحى بالتعايش ولا غبار عليه طالما لا يساء تفسيره.

بالطبع المتخصصون فى أى مجال سواء فى المجال الدينى أو المجال القانونى أو المجال السياسى يكون منوط بهم الحديث إذا تطلب الأمر، فأنا على سبيل المثال أحب القراءة فى القانون المصرى والقانون الدولى، بالطبع لن أترافع فى قضايا لموكلين، لكن لن يستطيع أن يمنعنى أحد من الحديث عن القانون لأننى غير دارسة للقانون، فمن يمتلك معرفة ملمة بأى مجال ويستطيع أن يعبر عن نفسه وأن يقدم جديدا يثرى السامعين أو القارئين فليتفضل على الرحب والسعة، فنحن فى عصر الثقافة والمعرفة العامة والمعرفة الموسوعية.

فى العشرين عاما الأخيرة، شهد العالم مساحات واسعة من الديمقراطية وحرية الرأى والتعبير أسهم فيها الإعلام وثورة الاتصالات بنصيب كبير، لقد تمكننا بالفعل فى مصر ثقافياً وأدبياً من كسر تابوهات السياسة والجنس إلى حد بعيد وغير مسبوق، لكن مازال التابوه الثالث "تابوه الدين" فى مرحلة الطفولة الفكرية، لم نتعامل معه بعد بالنضج المطلوب.

فعلى الرغم من أن العلاقة بين المصريين وبعضهم على اختلاف دينهم وبينهم وبين الدولة علاقة متميزة ولها جذور تاريخية عريقة وممتدة عبر الأجيال وتمتلك قدرا رائعا من التسامح والتعايش الاجتماعى والإنسانى، لكننا على المستوى الفكرى لم نستطع ترجمة واقعنا المعاش على الساحة الفكرية، فما زال الحديث فى موضوع الدين منطقة شائكة بل وملغمة ومحفوفة بالمخاطر حيث ممنوع الاقتراب أو التصوير.

مازالت ردود أفعالنا تجاه بعضنا البعض سواء من نفس الدين أو من دين مختلف تعبر عنها الجملة الشهيرة للراحلة شويكار: "أنت بتقول عز، يبقى أنت اللى قتلت بابايا"، عز هنا يمثل الحديث عن الدين، فكيف لشخصيات مشهود لها بالسماحة أن تُتهم بتهمة متناقضة تماماً مع شخصها لمجرد أنها عبرت عن رأيها الشخصى كجزء من المجتمع فى أمر تطرق إلى الدين معتبرة أن الأديان فى تلك الحالة هى ملكٌ عام، فأين تكون حرية التعبير إذاً!!؟ ثم يتدخل قانون ازدراء الأديان المصرى بثوبه الفضفاض الذى يتسع لكل من له رؤية خاصة لأى دين من الأديان.

لكن لماذا أصابتنا فى الآونة الأخيرة حساسية مفرطة تجاه تبادل الموضوعات والرؤى بين الأديان وبعضها، وكأن كل لقاءات فضيلة شيخ الأزهر وقداسة البابا والتى من المفترض أن تعطينا نموذجاً فى كيف أنه يمكننا أن نلتقى معاً، ذهبت دون جدوى، يظهر ذلك مجدداً بوضوح فى الآونة الأخيرة مع الأستاذ رجائى عطية نقيب المحامين، والمعروف بعلاقاته الطيبة مع المسيحيين ومع الكنيسة، والذى كتب سلسلة من المقالات فى جريدة الشروق تعتمد أساسا على كتاب "حياة المسيح" لعباس محمود العقاد.

قال البعض إنه يتحدث عن تحريف الإنجيل، قرأت غالبية المقالات لم أصل بعد إلى الجزء الذى يتحدث فيه عن هذا التحريف، ومع إيمانى بعدم إمكانية تحريف الإنجيل فلا يستطيع أحد أن يبدل كلام الله وهو خير الحافظين، تاريخيا آلاف النسخ القديمة من الأناجيل التى كانت متداولة منذ القرن الأول الميلادى مازالت موجودة فى المتاحف الكبرى بأوروبا وأمريكا، وعلمياً لايتهم أحد من العلماء وخصوصا علماء المخطوطات فى بلاد الغرب والكثير منهم من الملحدين الذين لا يؤمنون بوجود الله من الأساس لكن لم يسبق لأحد أن وجه تلك التهمة إلى المسيحية.

ولكن ليس غرض الأستاذ رجائى هو الحديث عن تحريف الإنجيل أبدا، ولكن هدف المقالات بوجه عام هو الحديث بصورة محايدة ومحترمة للغاية عن المسيحية فمحور الكلام هو كتاب الأستاذ العقاد، إن المؤلفات الدينية فى أى عقيدة هى بالطبع لمؤلفين من نفس العقيدة، لكن لا مانع أبداً أن يكتب مؤلف واسع الاطلاع من أى دين عن دين آخر طالما يكتب بمنطق مستنير ويهدف إلى زيادة المعرفة وزيادة مساحات الحوار المشتركة بين الأديان.

قداسة البابا شنودة نفسه، بابا العرب، كان كثيرا ما يستشهد فى كتاباته وفى عظاته بكتب الأستاذ العقاد وبأقوال الإمام الشافعى ليربط قارئيه ومستمعيه بالتراث العربى ولأن مؤلفات الغير تثرى الحديث بمصادر متعددة للمعرفة.

من ناحية أخرى وعلى سبيل المثال، نجد أن المهندس نجيب ساويرس والمعروف عنه أنه رجل أعمال وطنى، أراه امتدادا مصريا معاصرا لرجل الأعمال الوطنى العظيم طلعت حرب، وهو يتميز بذكائه الاقتصادى والاستثمارى وبحسه الوطنى العالى الذى يكاد أن يجعله نجماً جماهيرياً فى فيلم "كلمنى شكراً".

من المعروف أن شركاته تجمع موظفين مسلمين وآخرين مسيحيين، بل أن النسبة الغالبة هى للمسلمين وأيضاً النسبة الغالبة من المدراء، متخطياً آفة فى بعض القطاع الخاص المصرى تتخلى عن مسؤوليتها الاجتماعية وتمثيلها المعبر عن تنوع المجتمع حيث يكون كل الموظفين إما من المسلمين فقط أو من المسيحيين فقط، هو يتحدث فى بعض الأحيان ليعبر عن وجهة نظره كجزء من نسيج المجتمع بطريقة تلقائية وبدون ترتيب مسبق للكلمات، فكيف توجه له اتهامات الكراهية وازدراء الأديان! إن الإنسان لا يُجزأ، وتصرفاته ينبغى أن يتم تفسيرها من خلال مجمل سياقه الشخصى العام وإلا أصبح ذلك سوء نية مُبيت.

الحوار بين الأديان فى ظلال الواقع المشترك أمر مختلف تماماً بالطبع عن ازدراء الأديان والإساءة إليها كما فى إعادة جريدة "شارلى إبدو" لنشر الرسوم المسيئة للنبى محمد عليه الصلاة والسلام، فمع كونى مع الليبرالية والعلمانية فى التفكير التى تفرق بين السياق الدينى وغيره من السياقات فكلٌ بمعزلٍ عند التناول، إلا أن التعرض بالأذى والإهانة للرموز الدينية "خط أحمر"، فما تفعله جريدة "شارلى إبدو" هو "علمانية متطرفة" مثل تطرف الأديان تماماً.

لكن حتى لا يكون الهدف هو الإثارة واستفزاز المشاعر فقط، يرجى من الإعلام أن يوضح للمسلمين فى كل مكان أن ذلك هو أسلوب الجريدة مع كل الأديان حتى مع المسيحية ذاتها التى تنال نصيبها من الرسوم المسيئة أيضاً.

لكن تلك أمور محدودة على هامش اتساع رقعة الحريات نستطيع أن نتعامل معها نحن أيضاً جميعاً بازدراء، وألا نلقى لها بالاً، فالأنبياء فى زمانهم نالوا صنوفاً من الازدراء والتنكيل أشد من ذلك بكثير، ولكنهم كانوا يقابلون ذلك ليس بكل ازدراء فقط ولكن بكل محبة وتسامح، فالأنبياء كالآباء لديهم بعض الأبناء يتصرفون بتطرف فكرى تجاههم فى كل زمان.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز