البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
تحل هذا الشهر ذكرى رحيل الرئيس جمال عبد الناصر فى 28 سبتمبر 1970 ، يمكنك بالطبع أن تؤيد جمال عبد الناصر أو لا تؤيده، لكنك لابد أن تمتلك أسبابًا مقنعة فى كلتا الحالتين، فأى إنسان يمتلك إيجابيات وسلبيات والمهم أن تكون الإيجابيات أعمق و أكثر، ومع أننى لم أولد فى عهده إلا أن الخالدين معنا دائمًا بقوة تأثيرهم فكما تصفه دائرة المعارف البريطانية بأنه كان من أكثر الشخصيات كاريزمية وأسطورية حيث يرفع له القبعة حتى أعدائه القدامى.

فعلى سبيل المثال من الغريب أن يذكر البعض أن من عيوب الثورة هو قيام الدولة البوليسية، فى حين أن دور البوليس السياسى كان معروفًا أيام الملكية وقبل قيام الثورة وكان يعد رمزًا للفساد.

فلا يمكن أن يفاجئنا اليوم على سبيل المثال أحد المواطنين الفرنسيين ويصرح بأن الثورة الفرنسية، هى سبب مشكلات فرنسا، لأن الثورة هى حراك سياسى واجتماعى، فمن يهاجم الثورات فهو ينكر حق الشعوب فى التعبير عن نفسها، وينكر حركة التاريخ، فكما يقول أبو القاسم الشابى : " إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر ولابد لليل أن ينجلى ولابد للقيد أن ينكسر".

ربما تجد أن الطبقة البرجوازية من التجار ورجال الأعمال ليست من مريدى عبد الناصر إلا فيما ندر، وهذا أمر له ما يبرره وذلك لأن نشأتهم وازدهارهم إرتبطت بفترة الأسواق المفتوحة والتوسع فى القطاع الخاص والملكية الفردية واتفاقيات التجارة العالمية والتى هى أساسًا فترة لاحقة لعهده، فلربما معهم بعض العذر لأن ازدهارهم غير مرتبط به زمنيًا، إلا أنها فى نفس الوقت نظرة غير مكتملة يشوبها القصور لأن التاريخ لا يكون أبدًا من منظور فئوى ولكنه تاريخ مصر بأكملها.

أما الأكثر قصورًا فأن يهاجمه البعض فقط كنوع من الوجاهة الاجتماعية على أساس أن الرئيس جمال كان نصير الفقراء ولابد أن يكون مناصروه من الفقراء، وهو اتجاه غير سليم ينبغى توضيحه يدفع بالشباب إلى اللامنطق واللاعدالة ويكرس لثقافة "القشور" التى يعنيها ظواهر الأمور فقط بدون الاهتمام بجوانبها الجوهرية، وكأن الفقر عيبًا، أو كأن الشخصيات التى تتسم بالعدالة ليس هذا سببًا كافيًا لها أن تكون محبوبة من الجميع، وهو لم يكن يسع فقط إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بل أجبر الاستعمار على الرحيل وكان أيضًا رجل إنجازات عملاقة من سد عالى وتصنيع، وزعيمًا ملهمًا لكل حركات التحرر فى العالم العربى وفى أفريقيا حيث يُطلق اسمه على شوارع وميادين فى كل تلك البلدان.

أما من يناصب الرئيس جمال عبد الناصر العداء فمن المتوقع أن يكون ضمن إحدى فئتين : الفئة الأولى هى من هم من أصول عائلية إقطاعية، وكاتبة تلك السطور تنتمى إلى تلك الفئة، والفئة الثانية تضم من تعرضوا لإضطهاد سياسى واعتقالات خلال فترة حكمه.

بالنسبة للفئة الأولى ستجد أن البعض فى المنتديات العائلية والإجتماعية ممن لايمكنهم التكيف مع التغيير بسهولة وخصوصًا الأكبر سنًا والجدات يعز عليهم ما فقدوه، والبعض يتأسف على ضياع قيم الطبقة النبيلة وعاداتها وذوقها الرفيع، لكن القيم النبيلة بالطبع لا يمكن أن تنتهى ولكنها ازدادت نبلاً وتخلصت من سلبيتها وجعلتها ذات مسئولية اجتماعية حقيقية.

الكثيرون منهم فى نفس الوقت يقدرون أن ما تم مصادرته و تأميمه من ممتلكاتهم لم يورد إلى دولة أخرى، وكأنه قد وضع فى صندوق "تحيا مصر" مقدمًا لدعم الجمهورية الوليدة، ولم يأخذه جمال عبد الناصر إلى حسابه الشخصى، والذى توفى وعند حصر ممتلكاته وثروته الشخصية كانت تضم حسابًا بنكيًا قيمته 3700 جنيهًا وبعض شهادات الاستثمار باسم أبنائه سمعت هذه القصة فى بيتنا كثيرًا من أقرب أصدقاء والدى، وأحد شهود العيان المستشار الجليل الراحل حسنى عبد العال رئيس محكمة النقض، والذى كان وقت وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عضواً بلجنة الجرد حيث كان فى هذا التوقيت وكيلاً لنيابة قسم الزيتون حيث منزل الزعيم الراحل.

من الجدير بالذكر أن لجان الإقطاع لم تلجأ إلى التعذيب أو النفى أو السجن أو القتل، كانوا يتركون لهم قدرًا من الثروة ولايشردونهم، كما فى بعض الأفلام العربية المفتعلة حيث تدفع الظروف البطلة للإنحراف، كما أن كل ما تم جمعه ومصادرته استُخدم على الفور فى أعقاب الثورة فى بناء وحدة صحية ومدرسة بكل قرية.

يذكر أيضًا الأديب محمد سلماوى فى كتابه "يومًا أو بعض يوم" صفحة 114 : "لم نفهم أنا وإخوتى لماذا يؤخذ من الإنسان ماهو ملك له، فشرح لنا والدى بكل بساطة، وبنص كلماته التى مازلت أذكرها، أن جمال عبد الناصر لم يأخذ ماجرى تأميمه لنفسه".

أما عن الفئة الثانية، وهى فئة المضطهدين سياسيًا فسيفاجئك الأمر بأن نسبة كبيرة من الناصريين واليسار المصرى الذى يؤيد سياسات جمال عبد الناصر كانوا أغلبهم من المسجونين السياسيين الذين تم اعتقالهم خلال الحقبة الناصرية ولكنهم على الرغم من ذلك يدركون جيدًا أن تلك الفترة كانت "فترة انتقالية" من عمر الأوطان تمر بها عقب الثورات فى أى مكان من العالم، و حتى تستطيع الثورة أن تحقق أهدافها وتتمم مقاصدها وتهدأ من الإضطرابات المصاحبة لقيامها وتقضى على فتنة أعدائها فى الداخل والخارج فإن مساحة الديمقراطية تنكمش بالطبع إلى حين، لكن مع حلول عام 1957 ومع ترشح جمال عبد الناصر لرئاسة الجمهورية تم طرح الدستور الجديد للاستفتاء والذى يمنح حق الإقتراع للمرأة، وقوانين العمل التى تحميها وتمنع التفرقة على أساس الجنس، ثم قوانين التأمينات والمعاشات التى تمنح جميع الموظفين معاشًا مستمرًا وليس مكافأة نهاية خدمة عشرة أشهر أو تعويضًا لمرة واحدة فقط وهو ما يعتبره أرباب المعاشات الآن الإنجاز الاجتماعى الأهم على أرض مصر.

وبين هاتين الفئتين تجد عدة محاور لسلبيات غير حقيقية للرئيس جمال وفترته، منها موقفه من الرئيس "محمد نجيب"، فأولاً لو كان هدف ناصر هو السلطة لكان قد تشبث بأن يكون أول رئيس جمهورية منذ البداية ولم يكن أحد ليعترض عليه فمن حقه ذلك، لكنه ترك الرئاسة لمحمد نجيب لأنه كان الأكبر سنًا، وثانيًا عندما اتضح تآمر محمد نجيب ضد مجلس قيادة الثورة وضد جمال، مما أدى إلى وضعه تحت الإقامة الجبرية وتحديد إقامته وليس إعدامه، وثالثاً الصور التى تنشرها بعض المصادر لمحمد نجيب مع التباكى على المصير الذى آل إليه لا يوجد بها ما يدعو إلى الشفقة فهى مجرد صور له بعد أن تقدم به العمر يجلس بين أفراد أسرته، فهل تقدمه فى العمر كان بسبب جمال عبد الناصر أيضاً!! وأيضاً الأحاديث عن نكسة 67 التى أوصلنا إليها وكأنهم يتشفون فى مصر فى شخص جمال! زعيم تعرض لهزيمة ولكنه أعاد تنظيم جيشه، ويذكر الخبراء العسكريون أن جمال عبد الناصر عند موته كان قد أعاد تجهيز الجيش وأعده للحرب، حتى خطة الحرب بإزالة الساتر الترابى عن طريق ضغط المياه كان قد عرضها اللواء باقى زكى يوسف على الرئيس جمال قبل وفاته ونالت موافقته واستحسانه، كان كل ما تبقى هو قرار الحرب الجريء الذى يُحسب للرئيس السادات.

الإخوان المسلمون بالطبع من الفئات التى تعرضت إلى ظلم فى بداية عهدها ولكن كل الأطياف السياسية فى تلك الفترة تعرضت لاضطهادات مماثلة، لكن الإخوان المسلمين نعموا بعد ذلك كثيراً بفترات تصالح مع السلطة لكنهم ظلوا يحملون بقلوبهم سواداً أكبر من كافة الأطياف.. عبد الناصر نفسه فى بداية شبابه كانت له انتماءات إخوانية وأيضاً عقب التحاقه بالكلية الحربية وبعد أن تشكلت فكرة تنظيم الضباط الأحرار ولكنه تراجع ثم أثيرت بعض الشكوك حول قيامه بعمل تنظيم سرى وتم التحقيق معه ولكن لم تسفر التحقيقات عن شيء، إلى أن كان حادث المنشية وبتدبير الإخوان فكان من الطبيعى انقلابه عليهم، الرئيس السادات لو كان قد نجا من حادث المنصة، لا أحد يعلم كيف كان من الممكن أن يعاقب تنظيم الإخوان فلربما كانت قد نصبت لهم مشانق فى كل مكان! كما أنهم لو كانوا مخلصين بالفعل لأخلصوا لجمال عبد الناصر، وهو الجدير بإخلاصهم والأحق بحسن الصحابة كأفضل أولى الأمر الذين شهدتهم المنطقة العربية، ولكانوا نظروا إليه كما ينظر إليه المواطن المصرى المتدين نظرة حب وإكبار وهو الذى جعل صوت القرآن الكريم يتردد فى بيوت المصريين بإنشاء إذاعة القرآن الكريم، وأعطى للدين مكانة هامة فى المجتمع مع إبعاده فى نفس الوقت عن أغراض الإستخدام فى المعارك السياسية لكنهم أساءوا إليه وشوهوا صورته وورثوا للمجتمع عدم احترام الكبير، بالنسبة للمسيحيين ستأسرك صور الزعيم جمال عبد الناصر بصحبة قداسة البابا كيرلس السادس فى مزاره بصحراء مريوط فى مزيج عجيب يجمع بين الرمز الوطنى والرمز الدينى فى علاقة حية وفريدة لا يستطيع أن يفك طلاسمها أوأن يسبر أغوارها سوى المصريين فقط.

لربما فترة ما بعد الثورة أظهرت مدرستين فكريتين ضد بعضهما "مدرسة حضرية" و "مدرسة ريفية" وهما موجودتان بالفعل فالمدرسة الريفية تحول كل ماهو "عيب" من وجهة نظرها إلى "حرام" بالضرورة، ولكن فى أعقاب فترة الثورة ترعرعت المدرسة الريفية وحاولت فرض رؤيتها للحياة وللدين، وهذا ما أراه العيب الوحيد لثورة ٥٢، ولكن حتى هذا العيب يمكن مقاومته وتلافيه بمزيد من المسئولية الاجتماعية والمتابعة ذات الأهداف التنويرية والتعليمية.

لكن لم يكن من الممكن أبداً ألا تقوم الثورة وإلا أصبح المجتمع أعرجًا ولا يعمل بكامل قوته، فثورة ١٩٥٢ أدت إلى تحقيق الحرية والمساواة بين جميع أفراد الشعب فى الحقوق والواجبات لتضع قاعدة للعدالة الإجتماعية والتى تصادف مشاكل أخرى الآن مثل الواسطة والمحسوبية ولكنها عيوب مجتمعية وليست بالطبع ناجمة عن الثورة أو الفعل الثورى، وعلى المجتمع معالجتها ليكون على مستوى المسئولية التى ورثها.

فى فيلم "رد قلبى" المأخوذ عن رواية الكاتب الكبير يوسف السباعى كانت حبيبة على هى "إنجى"، لكن فى الواقع كانت لعلى حبيبة أخرى مجهولة... إنها "مصر" حبيبته الخالدة عتيقة الأيام ودائمة الشباب ومعشوقة الجميع قامت بثورتها فى 1952 من أجل عيون "على" ومن أجل كل أبناء الوطن الذين يمثلهم على، فعلى يمثل أحمد وعلية ومينا وهيلانة... كل الذين لديهم نبل أخلاقى ونبل عقلى ومن حقهم ومن حق المجتمع عليهم التمتع بحقوق وواجبات متساوية ولتظهر ثمار ذلك فى أجيال متتالية وحتى الآن فى "إبراهيم" طالب الطب وبائع الفريسكا، و"آية" بائعة الأحذية، و"هبة" ابنة حارس العقار.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز