أحمد محمود
ازداد هذا الشعور هذه الأيام بسبب الجدل الدائر بعد صدور قانون التصالح فى مخالفات البناء، والذى تسعى الدولة من خلاله إلى ضبط قواعد البناء، والقضاء على ظاهرة البناء العشوائى، والاعتداء على الأراضى الزراعية، صحيح أن القانون يحتاج إلى العديد من المراجعات، خاصة فيما يتعلق بشأن المسؤول عن التقدم للتصالح فى مخالفات البناء، حيث لم ينص القانون على طرف معين له صلة بالعقار، واكتفى بمصطلح "مُقدِّم" وذلك وفقا للمادة الثالثة من قانون التصالح فى مخالفات البناء رقم 17 لسنه 2019، بينما كان من الضرورى تحديد منشئ المخالفة لضمان دقة قرار الإحالة وعدم إمكان الطعن فى الإجراءات.
والحقيقة أنه مهما اختلفت الآراء وثار الجدل حول هذا القانون، إلا أنه يظل خطوة هامة جدًا لضبط قواعد البناء، والقضاء على ظاهرة البناء العشوائى، وضبط المخالفين، الذين عادة ما يكونون مقاولين أو سماسرة بناء، لا يهتمون كثيرًا سوى بتحقيق أقصى درجات الربح، دون أى اعتبار آخر سواء لمصلحة المواطن، أو للمصلحة العامة، أو للسلم والأمن الاجتماعيين.
المشكلة الأكبر تأتى من الموظف العمومى، الذى قد يتقاعس عن أداء مهمته الأصلية فى مراقبة المخالفات، والعمل على وقفها بمجرد الشروع فيها، لكن بعض هؤلاء لا يتقاعسون فقط عن مهمتهم، بل يعاونون المخالفين فى كثير من الأحيان، على الإفلات من توابع هذه المخالفات، ويسهلون لهم الحصول على المرافق، فيبدو الأمر وكأن الدولة لا تهتم كثيرًا بالقواعد والاشتراطات، ولا تهتم بمن يقع عليه العبء جراء هذا الخلل، بقدر ما تهتم بتحصيل الأموال والرسوم.
روى لى أحد الأصدقاء وهو رئيس اتحاد شاغلى أحد العقارات القديمة بوسط المدينة، والتى تطل على أحد الكبارى القديمة، أن العقار كان يُؤجر سطحه لإحدى شركات الدعاية، مقابل مبلغ كبير من المال سنويًا، وبموجب ترخيص من المحافظة، الأمر الذى ساعد هذا العقار وعقارات أخرى مجاورة، على الاستفادة من هذه الأموال، فى القيام بأعمال الصيانة التى تتكلف كثيرًا لأنه عقار كبير وقديم.
هذه الشركات تحصل على الترخيص من المحافظة، مقابل السماح بوضع هذه الإعلانات على أسطحها لقاء رسوم معينة، وتسدد الشركة بموجب هذا الترخيص ضرائب للدولة أيضًا، لكن أحد موظفى المحافظة بحسب رواية رئيس اتحاد الشاغلين، قرر إلغاء هذه التراخيص، بدعوى أن العقار هو فقط تخصيص بحق انتفاع، رغم صدور 3 قرارات رئاسية بتمليك وحداته لقاطنيها من 3 رؤساء متعاقبين، أولهم الرئيس جمال عبد الناصر وآخرهم الرئيس مبارك، ، لكن رئيس اتحاد الشاغلين توجه للقضاء لإثبات حق الملكية وحصل على حكم نهائى بات بذلك.
يصر هذا الموظف رغم الحكم القضائى، على رفض منح الترخيص بتأجير أسطح هذه العقارات لشركات الدعاية والإعلان، مفوتًا الفرصة على الدولة بتحصيل رسوم هذه التراخيص وأيضًا رسوم الضرائب المستحقة، بينما يسعى للحصول على اتفاق لاقتسام عوائد إيجارات هذه الإعلانات مع هذه العقارات لصالح المحافظة، ما اضطر رئيس اتحاد الشاغلين لاستمرار اللجوء للقضاء للحفاظ على مصالح وأموال الملاك، هذا الموظف لا يعطى صورة سلبية فقط عن موظفى الدولة، لكنه يرسخ أيضًا لصورة سلبية عن الدولة بأجهزتها كافة، ويدفع الكثيرين للظن بأن الدولة، لا تهتم بصالح المواطن ولا حقوقه، ولا تسعى إلا إلى جباية الأموال حتى ولو كان بغير حق، وهو أمر أظنه غير صحيح.
من المهم أن تنتبه الدولة لهذه الأمور وتأثيرها الشديد على الرأى العام، مع أنها قد تبدو بسيطة وغير مهمة لبعض المسؤولين، لكنها فى الحقيقة من المسائل المهمة جدًا، لأن ترسيخ الصورة الإيجابية عن الموظف العمومى والحكومة وأجهزة الدولة، يدفع المواطن للتجاوب مع الدولة أكثر، ويجعله يفكر ألف مرة قبل أن يقوم بمخالفة ما، حتى لو كانت مخالفة صغيرة، وهو أمر سيسهم حقًا فى دعم جهود الدولة من أجل التنمية، ويرفع من ثقة المواطن فيها ودعمه لجهودها.