مريم عيد
الموجة الأولى.. كانت فى القرن التاسع عشر، وبدايات القرن 20، وكان تركيزها على الحقوق السياسية والمدنية للمرأة وبالأخص حق التصويت والانتخاب.
الموجة الثانية.. بدأت فى الستينيات، وحتى الثمانينيات، وكان هدفها إلغاء عدم المساواة من النواحى الثقافية والمتواجدة ضمن الأعراف الاجتماعية السائدة.
وقد بدأت المرحلة الثالثة فى التسعينيات وتعتبر امتداداً للموجة الثانية التى على الرغم من نجاحها وظهور عدد من النساء المتميزات إلا أن البعض يراها لم تحقق بعد أهدافها وينبغى استمرارها واستكمالها.
وترى الموجة الرابعة الحالية أيضاً أن وصول المرأة للمناصب الهامة مازال محدوداً كما نقلت الكثير من القضايا الفردية مثل العنف ضد المرأة والتحرش الجنسى والاغتصاب إلى النقاش المجتمعى كقضايا رأى عام.
وكثمار للحركات النسوية على مر التاريخ ظهرت نساء كثيرات فى مواقع قيادية تؤدين أدوارهن بنجاح وأقرب الأمثلة زمنياً هو بروز ألمانيا بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل، كأنجح الدول الأوروبية فى مواجهة أزمة انتشار وباء كورونا.
كما تناقلت وكالات الأنباء نبأ وفاة القاضية الأمريكية روث بادر جينسبيرج، أبرز قضاة المحكمة العليا الأمريكية المكونة من 9 أعضاء، وهى المحكمة التى تملك القول الفصل، وحق البت فى جميع القضايا الخلافية فى الدستور والقانون والمجتمع الأمريكى، مثل الإجراءات الحكومية، وعقوبة الإعدام، والإجهاض، والهجرة، وحقوق الأقليات وسيادة القانون.
كرست القاضية روث جزءاً كبيراً من حياتها للدفاع عن حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، وتغيير القوانين الأمريكية، علماً بأنها قد تعرضت فى بداية حياتها العملية لإنزال من رتبتها بسبب حملها الأول، وتقاضت أجراً أقل من زملائها الذكور، كما تم رفض منحها ترقية ذات مرة لمجرد كونها أنثى.
شاركت عام 1970 فى تأسيس أول مجلة قانونية أمريكية تختص بحقوق المرأة، وكانت خلال فترة عملها ضد التمييز فى الوصول لبعض المناصب بسبب النوع، ورفض التمييز فى الأجر، وتأييد حق الإجهاض، وقد أطلقت عليها عناوين الصحافة الأمريكية وقتها "ناشطة نسائية فى حقل القضاء"، وكان من أهم آرائها أنه من أساسيات المساواة أن تشارك المرأة الرجل فى صناعة القرار.
لقد كانت سيدة المتناقضات، فعلى الرغم من كونها أيقونة نسوية وليبرالية، إلا أنها كانت تحظى باحترام الليبراليين والمحافظين معاً، وعلى الرغم أيضاً من دفاعها المستميت والرائد عن القضايا النسائية إلا أنها انتصرت أيضاً للرجال حينما سُمح بحصول الأرمل، إلى جانب الأرملة، على تعويضات مالية عند رعاية الأطفال، فحينما تصبح معبودة الجماهير ليست فقط ممثلة أو مغنية بل قاضية، فأنت بالتأكيد فى دولة القانون والمؤسسات.
تناول حياتها فيلمان أحدهما تسجيلى على الأحرف الأولى من اسمها "ر. ب. ج"، والثانى سينمائى بعنوان "على أساس الجنس" وقامت بدورها الممثلة الإنجليزية "فيليستى جونز" ويروى الفيلم مراحل حياتها الأولى كطالبة وزوجة وأم وأستاذة ومحامية من خلال قضيتها الأساسية عدم التمييز على أساس الجنس.
إذا انتقلنا إلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية، فى سنغافورة سنجد "حليمة يعقوب" أول رئيسة أنثى للبلاد فى تاريخ سنغافورة، وهى سياسية مسلمة ومحجبة وشغلت قبل ذلك مناصب وزيرة الأسرة والتضامن الاجتماعى، ورئيسة حزب العمال الشعبى، والمتحدثة باسم البرلمان، عُرفت بمناهضتها للإسلاميين الراديكاليين، ولتنظيم الدولة الإسلامية فى العراق وسوريا "داعش".
فى أول خطاب لها بعد توليها رئاسة سنغافورة ذكرت أن رفع مستوى دخل المواطن فى سنغافورة سيكون أولى اهتماماتها، وقد بدأت سنغافورة بالفعل فى تحقيق زيادة واضحة بالناتج القومى، وانخفاض معدل البطالة من خلال إنشاء قرابة 10 آلاف مشروع فى مجالات متعددة، وأثناء أزمة كورونا كان المخزون الاحتياطى لبلدها كافٍ لمواجهة الأزمة، ومن المتوقع والمأمول أن تستمر تلك الإنجازات لتحقق تقدم ملموس لسنغافورة حتى نهاية مدتها الرئاسية فى 2023.
سنغافورة بها تنوع إثنى، حيث يوجد 74٪ من أصول صينية، و13٪ مالايوية، 9٪ هندية، 2.3 ٪ إناث من أصول أخرى، ولكن "حليمة يعقوب" عقبت على ذلك بأن الرئيس يعمل من أجل الجميع، ومن أجل كل المجموعات وليس من أجل جنس محدد أو دين معين، كما دعت أيضاً إلى تبنى مبدأ "المساواة بين الجنسين" والكفيل بزيادة الإبداع والإنتاجية لدى الأفراد.
إن الرجل ليس أفضل من المرأة لمجرد كونه رجلاً، فكثير من الرجال حول العالم لا يستطيعون تحقيق نصف ما تقوم به النساء.
كما أن الدور البيولوجى للمرأة كزوجة وأم، لا ينبغى أن يمثل عائقاً فى حياة المرأة فى طريقها للمساواة مع الرجل، وكأن المجتمع يعاقبها بسبب ما تقوم به من دور بيولوجى لتظل محصورة وسجينة به فقط مع أنها تمتلك طاقات عقلية وإبداعية كثيرة أخرى.
القانون المصرى من ناحيته يمنح المرأة الحق فى إجازة وضع 3 أشهر، ويتم متابعة ذلك فى القطاعين العام والخاص عن طريق مكاتب العمل المنتشرة فى جميع أنحاء الجمهورية، لكن ينبغى أن يُكتفى بأن تكون أجازة الوضع للطفلين الأول والثانى بالإخطار المسبق بالتقرير الطبى للمستشفى أو الطبيب فقط على أن يكون اعتمادها على نفس التقرير بعبارة: "تمنح إجازة وضع 3 أشهر طبقاً لقوانين العمل المصرية" ففى هذا احتفاء بقوانيننا التى تدافع عن حقوق المرأة، لكن إلى الآن مازالت إجازة الوضع تُكتب على نموذج ويرفق بها التقرير الطبى فقط كأنها سوف يبت فى أمرها هل ستتم الموافقة عليها أم لا؟
هذا من الناحية القانونية.. أما من الناحية الثقافية فمازال الكثيرون يعيشون فى المشهد الختامى لمسرحية الكاتب النرويجى هنريك إبسن "بيت الدمية" حيث إن البطلة "نورا" فى المشهد الختامى تصفع باب البيت بشدة فى دلالة رمزية على ثورتها ضد زوجها وضد المجتمع الذكورى بأكمله، والذى على الرغم من تفانيها فى الإخلاص لزوجها مازال لا يعاملها "كشريك" له فى الحياة، وإنما كجزء من ممتلكاته كخادمة مُكرمة أو مُهانة.
حتى صفع الباب أحياناً لا تقوم به كل النساء واللاتى تعودن على نظرة الرجل والمجتمع لهن، وإنما يقوم به فى الغالب المثقفين ودعاة المساواة، فلازالت "أمينة" فى "بين القصرين" لا تستحق تلك المعاملة القاسية والدونية من "سى السيد" وهو حتى وإن لم يكن زير نساء فى الواقع إلا أنه ينبغى أن يعامل أمينة باحترام أكبر، وبالطبع ليس ذلك دعوة للخلافات الزوجية، وإنما دعوة للحوار مع سى السيد، بأن أمينة مثله تماماً وشريكة "أمينة" بالفعل له فى الحياة، وكما تعامله باحترام عليه هو أيضًا أن يعاملها وينظر إليها باحترام.