الدكتور حسن سلامة
تلك الأسئلة وغيرها قفزت إلى الذهن، خاصة مع حالة الحراك السياسى الذى تشهده مصر من تكوينات وانتخابات ومنافسات تستلزم أن يكون المواطن فعالا قادرا على أداء دوره فى الاهتمام والمشاركة فيما يجرى حوله، خاصة أن العديد من الاستطلاعات والدراسات الميدانية واللقاءات الجماهيرية تشير إلى ضعف تلك الثقافة وغياب الحرص المجتمعى على تحصيلها.
ولعل إجابات تلك الأسئلة تستدعى بالضرورة التحليل عبر عدة مستويات:
• المقصود بمفهوم الثقافة الدستورية
• مختصر التاريخ الدستورى لمصر
• خارطة طريق لنشر الثقافة الدستورية فى مصر
أولا: المقصود بمفهوم الثقافة الدستورية
يشير هذا المفهوم فى أبسط معانيه إلى رغبة وقدرة الأفراد على قراءة الدساتير التى تصدر انطلاقا من أهمية معرفة بنود تلك الدساتير، باعتبارها محددا مهما لشكل العلاقة بين الدولة والمواطن وكذا محدد لحقوق وواجبات كل طرف، وينبنى على تلك المعرفة قدرة أخرى ترتبط بقراءة القوانين التى لابد أن تتوافق مع مبادىء الدستور.
فالدساتير التى عرفتها مصر متعددة، لكن حرص المواطنين على قراءتها أو معرفة بنودها، فضلا عن السؤال حولها تبقى محدودة.
ولعل غياب تلك الثقافة الدستورية لدى قطاع غير قليل من المواطنين يعود إلى عدة أسباب أهمها:
• تراجع الاهتمام السياسى لدى المواطن لصالح المطالب الاقتصادية الملحة.
• ضعف الترويج للدساتير كأحد عناصر بناء مؤسسات الدولة عبر مؤسسات التنشئة المختلفة.
• فجوة عدم الثقة لدى المواطن وتشككه الدائم فى إمكانية تفعيل نصوص الدساتير المختلفة.
• الفهم الخاطىء لدى البعض بأن قراءة الدساتير وفهمها مسؤولية النخبة دون الجماهير.
• ضعف الارتباط لدى المواطن بين الحقوق والواجبات الدستورية والسياسات العامة المستجيبة لمطالب المجتمع.
إن هذه الأسباب وغيرها يمكن أن تقدم تفسيرا ولو جزئيا لتراجع - أو إن شئت فقل – غياب مفهوم الثقافة الدستورية، الذى يمثل جزء لا يتجزأ من مفهوم أشمل هو مفهو الثقافة السياسية، وهو ذلك المفهوم المرتبط برؤية المواطن للسلطة والمؤسسات السياسية، وأخذا فى الاعتبار أن الدستور هو أبو القوانين الذى يضع أسس التشكيلات السياسية يصبح الوعى به أولى وأسبق على ما تلاه من مؤسسات وتشكيلات.
ثانيا مختصر التاريخ الدستورى لمصر:
عرفت مصر على مدار أكثر من مائة عام سلسلة من الدساتير التى صاحبت أحداثا كبرى ووضعت عبر بنودها ملامح شكل نظام الحكم والعلاقة بين السلطات وحددت طبيعة النظام السياسى.
• عقب استقلال مصر قانونيا بموجب تصريح 28 فبراير 1922، بذلت جهود لوضع دستور للمملكة المصرية، حتى توجت تلك الجهود بظهور دستور 1923، الذى وضعته لجنة الثلاثين أو ما عرف آنذاك بـ"لجنة الأشقياء" وهو المسمى الذى أطلقه سعد زغلول باشا على أعضاء اللجنة التى لم يكن عضوا فيها.. خرج دستور 1923 إلى النور، ووافق عليه سعد باشا رغم عدم اشتراكه فى وضعه، مما يعكس جزء ثقافيا مهما وهو إعلاء المصلحة الوطنية على ما عداها، وتضمن الدستور تحديدا لشكل نظام الحكم ليصبح النظام البرلمانى، والذى استمر حتى ثورة يوليو 1952، كما تضمن مجموعة من الحقوق والحريات التى يتمتع بها المصريون للمرة الأولى كان أولها وأهمها حق تشكيل الأحزاب السياسية، ولعل هذا هو السبب وراء موافقة سعد باشا وأصحابه على مسودة الدستور.
• جاء دستور 1930 ليزيد من قبضة الحاكم على حساب باقى السلطات التى تمثل الجماهير، ولم يستمر اكثر من خمس سنوات ليتم العودة إلى دستور 1923 مرة أخرى.
• فى عام 1956، وعقب ثورة يوليو صدر دستور جديد وكان من أهم ما تضمنه تغيير شكل العلاقة بين السلطات ليصبح نظاما رئاسيا بدلا من النظام البرلمانى، كما تضمن للمرة الأولى منح المرأة المصرية حق الترشيح والانتخاب، بعدما كان مقصورا على الرجال فقط قبل ثورة يوليو.
• مع قيام الوحدة بين مصر وسوريا كان لزاما صدور دستور الوحدة عام 1958، وبموجبه تم تعيين البرلمان المكون من 600 عضو بالكامل وللمرة الأولى وكان 400 من مصر و200 من سوريا.
• مع الانفصال صدر دستور 1964 الذى تضمن بنودا عززت الشكل الرئاسى للحكم فى مصر.
• فى عام 1971 صدر الدستور الدائم الذى استمر حتى يناير 2011.
• فى عام 2012 صدر دستور جديد لم يستمر طويلا، حيث أعقبه صدور دستور 2014 بعد ثورة الثلاثين من يونيو.
• لعل هذه الإطلالة السريعة تكشف عن ثراء دستورى للدولة المصرية لا يقابله بالضرورة غنى معرفى لدى المجتمع ببنود تلك الدساتير، أو محتواها مما عزز الفجوة فى أحيان كثيرة بين المواطن والدولة، فالمواطن لم يكن حريصا على متابعة التطورات الدستورية على أساس خاطئ مفاده أن تلك التطورات لا تعنيه، وفى المقابل لم تكن الدولة جادة بالقدر الكافى فى نشر هذه الثقافة الدستورية بين جموع المواطنين، ولعبت التنشئة دورا إضافيا فى ضعف الاهتمام المجتمعى بالدساتير وبنودها عبر الأجيال المختلفة، حتى بات الحديث عن قراءة الدستور أقرب الى الطرفة منه الى المطلب الحيوى مجتمعيا.
ثالثا خارطة طريق لتعزيز الثقافة الدستورية:
إن التسليم بغياب الثقافة الدستورية هو أولى خطوات التحرك الصحيح، فعقب ثورة الثلاثين من يونيو بدأ الوعى المجتمعى يزداد خاصة مع تعدد مصادر المعرفة وتنوعها وسهولة الوصوال إليها، مما يستلزم البناء عليه عبر مجموعة من الخطوات الإجرائية تحقق فى النهاية هدف الوعى والثقافة المجتمعية بحقوق وواجبات المواطنين، كما وردت فى الدستور، ومن هذه الخطوات ما يلى:
• تدشين مشروع قومى للثقافة الدستورية تتبناه وترعاه رئاسة الجمهورية، مع تقديم الرؤى المختلفة لتنفيذ المشروع من الأحزاب السياسية، باعتبارها الكيانات المنوط بها ممارسة النشاط السياسى.
• استهداف طلاب المدارس فى مراحل التعليم ما قبل الجامعى بمادة مستقلة تحت مسمى الدستور، بحيث يتم التركيز على مجموعة نصوص بعينها حسب كل مرحلة.
• عمل تنويهات إذاعية وتليفزيونية وإنفوجراف على المواقع الإلكترونية للصحف بعدد من نصوص الدستور مع شرح مبسط لها.
• تكثيف أعداد النسخ الموزعة من الدستور داخل مراكز الشباب والتجمعات الشعبية وخلق حالة من الحوار الدائم حولها.
• ربط العديد من السياسات العامة بالنصوص الدستورية خاصة فى الأحاديث الرسمية للمسؤولين أو المتحدثين الرسميين للوزارات.
إن مثل هذه الإجراءات وغيرها ضمانة مهمة لخلق مجتمع أكثر وعيا، وأكثر تضامنا مع الدولة، وأكثر قدرة على التواصل وأداء الأدوار المطلوبة منه لأنه سوف يؤديها عن قناعة بأن هذا الدور حق له أو واجب عليه لا يمكن التخلى عنه، وليس مجرد استجابة أو تنفيذ لأمر حكومى، إن الثقافة الدستورية هى ضمانة حقيقية لظهير شعبى واع وصمام أمان أمام من يحاولون خداع الرأى العام وتزييف الحقائق وتشويهها.