مريم عيد
كل شىء مميز فى الفيلم "ممثلوه، مخرجه، واقعه التاريخى، طريقة عرضه على شاشة التلفاز كفيلم سينما سكوب ملون حيث الصورة لا تملأ الشاشة ولكن يوجد فراغ أسفل الصورة وأعلاها".
اشتهر بأنه الفيلم الذى أفلس منتجته آسيا داغر، بسبب تكلفته الإنتاجية العالية، وبأنه من بين أهم 100 فيلم فى تاريخ السينما المصرية.
شاهدت الفيلم لأول مرة فى طفولتى عند إعادة عرضه، وكانت هذه بداية معرفتى بالقائد صلاح الدين الأيوبى، والذى وإن كان البعض يكتب عن سلبيات له فى الآونة الأخيرة لكن لن يغير هذا أبدًا من رأيى ومن رأى التاريخ فيه كقائد عظيم.
لكن ما يثير العجب حقا بعض المواقع على الإنترنت التى تحاول أن تهيل التراب على هذا الجزء العزيز من الوجدان الوطنى تحت عناوين فارغة "أكذوبة فيلم صلاح الدين" و"افتراءات تاريخية" بل ذهب البعض إلى وصف الفيلم بـ"الطرح السينمائى الخبيث" وكأنهم اكتشفوا اكتشافا خطيرا وسيلهمون أبناء العرب ويرشدونهم بما سينقذهم من التشتت والضياع، ويفتح عيونهم من الغفلة عندما يعلنون كشفهم الخطير بأن القائد عيسى العوام كان مسلما وليس مسيحيا.
شخصية عيسى العوام، كان لها نصب تذكارى فى مدينة عكا، وتقول المصادر هناك بأنه مناضل عربى مسيحى عكاوى حارب الصليبيين إلى جانب صلاح الدين الأيوبى، وتذكر بعض المصادر الأخرى أنه كان مسلما، لكننى أطالب بضرورة البحث والتأكد من تلك المعلومة من عدة مصادر تاريخية فلا يكفى مصدرا واحدا.
لكن وعلى أية حال وسواء كان مسيحيا أم مسلما، فمن الجميل أنه كان فى الفيلم مسيحيا لأنه أولا عكس تنوع المجتمع العربى وثرائه وقت صلاح الدين الأيوبى، ثانيا وبافتراض أنه لم يكن مسيحيا إلا أن شخصية عيسى العوام تعبر عن الكثير من المسيحيين الذين حاربوا إلى جانب صلاح الدين الأيوبى، حتى لو كانوا يحاربون من هم على نفس دينهم، فالأديان تعلم الناس الولاء لأوطانهم وعدم خيانة عهودهم، والدليل التاريخى على ذلك هو دير السلطان بالقدس، السلطان هنا نسبة إلى السلطان صلاح الدين الأيوبى، وقد منحه القائد صلاح الدين للمسيحيين تقديرا لولائهم له ولجهودهم وتضحياتهم وتفانيهم فى محاربة الصليبيين.
ثالثا شخصية عيسى العوام، لا تعبر فقط عن مسيحيى تلك الفترة، وإنما يرى فيها مسيحيو الشرق أنفسهم فى ولائهم ومحبتهم لأوطانهم والمحبة المتبادلة بينهم وبين إخوتهم المسلمين عبر العصور حيث تتلاقى الدماء العربية معا فى جميع الحروب التى تتعرض لها بلادهم وأوطانهم قديما وحديثا.
من المعروف أن العمل الفنى التاريخى له مطلق الحرية فى إضافة شخصيات وأحداث جديدة من خلال السياق التاريخى الذى يتعرض له، فالفنان الذى يقدم العمل سواء كاتبا أو مخرجا ليس مؤرخا، والعمل الفنى ليس كتاب تاريخ أو مرجعية تاريخية مستقلة، ولكنه يخدم التاريخ بصورة منافسة لكتب التاريخ ذاتها إذ يجعله حيا ومشوقا وجذابا، كما أنه من خلال رؤيته الثاقبة يقدم أبعادا أخرى تجعل التاريخ مفهوما وإنسانيا وليس مجرد تقرير وسرد حقائق.
فيلم الناصر صلاح الدين، وسعت دائرته العديد من القضايا الوطنية والثقافية فكان من أوائل الأفلام التى قدمت للمشاهد المصرى والعربى والعالمى لقاء الحضارات والثقافات والأديان، وكيف أن العاقلين من كل جانب يمكنهم تحويل ما يسمى أحيانا بصراع الحضارات إلى لقاء للحضارات.
رجع الصدى للفيلم ظهر فى هوليوود بفيلم "مملكة السماء" 2005، الذى يدور حول الحملات الصليبية، ويتبنى تقريبا نفس رؤية الفيلم فى أن الحروب الصليبية وما أظهرته من بطولات لم يكن هدفها الدفاع عن الدين فقط، وإنما لكى تدور عجلة الاقتصاد فى أوروبا، ولكن من منظور سكان النصف الشمالى، حل شخص صلاح الدين فى الفيلم والذى أدى دوره الممثل السورى غسان مسعود كأنه ضيف شرف كريم ومحنك وديناميكى.
الرؤية الفنية تستطيع أن تغير الكثير من الأمور لصالح جاذبية العمل الفنى، حتى فى الأعمال السينمائية العالمية الشهيرة التى نالت العديد من جوائز الأوسكار مثل "قلب شجاع" فى 1995 من إنتاج وإخراج وتمثيل الممثل الأمريكى ميل جيبسون، الذى يجسد حياة الثائر الإسكتلندى وليام والاس ضد الإنجليز، ويظهر والاس فى أحداث الفيلم مرتديا "التنورة"، وطاليا وجهه باللون الأزرق، وهذا لم يفعله الإسكتلنديون فى تلك الحقبة الزمنية التى دارت بها أحداث الفيلم، ولكنها رؤية المخرج فى الحرص على ظهور البطل بنفس الصورة المعروفة للإسكتلنديين، لذا عكس الفيلم بالفعل الأجواء الإسكتلندية وكان له تأثيرا فى زيادة السياحة إلى إسكتلندا.
يشترط الكاتب الكندى جاى جيفرايل كاى، وجود الخيال الفنى كأمر أساسى فى جميع الكتابات التاريخية، فعندما نتعامل مع التاريخ البعيد يمكن لعقولنا جميعا أن تفترض الأمور، حتى بعض الأخطاء اللغوية تكون متعمدة من قبل الكاتب ومغفورة نقديا من أجل تحقيق الرؤية الفنية للأديب مثل عنوان أشهر المجموعات القصصية ليوسف إدريس والذى أصر أن يكون "أرخص ليالى" وليس "أرخص ليالٍ" مع كونها الأصح لغويا.
تظل المرجعية للكتب والمصادر التاريخية، وتظل المعلومة التاريخية هى الأبقى، ولكن يظل تأثير الفيلم هو الأقوى فى جعل الشعوب تعتز بتاريخها فعمر الإنسان قصير لكن عمر الفن طويل.
فمن يريد إلغاء تواجد المسيحيين العرب فكأنه يلغى التاريخ وينكر على الحضارة العربية تنوعها ويتناسى أن تواجدهم ممتد بامتداد جذور التاريخ العربى الذى لو ألقينا نظرة سريعة عليه سنلاحظ ذلك بكل وضوح، فلقد تواجد الغساسنة قديما فى بلاد الشام وكان من أشهر أمرائهم الحارث بن جبلة، ومملكة تدمر فى سوريا والذين كانوا أهل تجارة، والمناذرة ومملكة الحيرة فى العراق ومن أشهر أمرائهم النعمان بن المنذر الذى بنى مدينة النعمانية على ضفاف نهر دجلة، وتواجد المسيحيون أيضا فى جنوب شبه الجزيرة العربية فى نجران، وفى اليمن السعيد فى مملكة حمير.
فى أكثر فترات ازدهار الشعر العربى كان يتواجد شعراء مسيحيون ومن أشهرهم عُدى بن زيد والأعشى والأخطل، واشتهرت بعض المدن المتفرقة بسكنى المسيحيين بها مثل أيلة، وتيماء وتبوك، ووادى القرى، كما كانت توجد العديد من القبائل المسيحية مثل تغلب، وحمير، وتنوخ، وغسان، وبكر، وإياد، وشيبان، وتميم، وبنو كندة، وبنو الحارث، وكان هناك أساقفة لكل مجموعة من القبائل، وذكر المؤرخ اليونانى سوزمنوس، منذ القرن الرابع أن فى بعض قرى العرب ودساكرهم أساقفة.
اعتمد الخلفاء على أطباء "جنديسابور"، واستقدموهم إلى بغداد لعلاجهم مثل جورجيس بن يختيشوع ويوحنا بن مساويه وغيرهم، وتلاقت فى جنديسابور الثقافات اليونانية والرومانية والعربية والسريانية والفارسية.
كان هناك مدارس ثقافية إشعاعية أخرى مثل مدرسة الإسكندرية بمصر، والتى أشار إلى أهميتها الكثير من العلماء الغربيين، ومدرسة إنطاكية التى كانت مركزا للمعرفة اليونانية، والتى أسسها الكاهن لوسيان عام 290م، وكان السريان أيضا يقيمون بالقرب من كنائسهم مدارس أخرى لتدريس علوم الدين إلى جانب تدريس الفلسفة وجميع العلوم الأخرى، وكان للسريان دور هام فى النهضة الفكرية العربية فى الدولة العباسية حيث أن معرفتهم الواسعة أدت أيضا إلى اعتماد الخلفاء عليهم فى الترجمة التى ازدهرت فى عصرى هارون الرشيد والمأمون، فتمت ترجمة الفلسفة اليونانية لأفلاطون وأرسطو، وفى الطب أبقراط وجالينوس، وكان إسحق بن حنين العبادى، ويوحنا بن ماسويه، وحنين بن إسحق من أشهر المترجمين حيث كانت الترجمة نواة للنهضة فى العصر العباسى.
ظلت المنطقة العربية تزخر بتنوعها البشرى والعيش المشترك بين جميع الأديان وبمساهمة المسيحيين فى الحياة العقلية والمشاركة فى صنع الحضارة العربية التى تميزت بالرحابة الفكرية ولغة الحوار المشترك والحريات الدينية، وكان هذا الوضع ينقلب إلى الضد أثناء ما مرت به الحضارة العربية من عصور انحطاط، فمن الغريب أن يحاول بعض ضيقى الأفق إعادتنا إلى تلك الفترات تاركين وراء ظهورهم كل هذا الإرث الحضارى.. وللحديث بقية.