البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
كلمة "قبطى" تسبق ظهور المسيحية وهى تعنى بالتحديد "مصرى"، وقد استخدم اليونان فى كتاباتهم عن مصر وأهلها اسم "ايجيبتوس"، وأسماها الآشوريون فى كتاباتهم "هيكوبتاه"، وأطلق العرب لفظ "قبط" لوصف كل سكان مصر. أما اسم مصر فجاء من تسمية الشعوب السامية والآرامية "مصرايم".

المواطنون فى مصر جماعة واحدة ذات ثلاثة أبعاد مشتركة.. كلاً من مصرية المسلم، ومصرية المسيحى، ضاربة بجذورها فى أعماق التاريخ، وتطغى على الفوارق الدينية إذ أن درجات الاندماج والتعايش والتفاعل البشرى عالية: تجمعهم مدارس مشتركة، وبنايات مشتركة، وجامعات، وأماكن عمل، ومؤسسات، وأندية رياضية واجتماعية، وقرى، ومدن ومحال، وأسواق، ومطاعم، وفنادق، ونقابات، ووزارات واحدة.

ربما لا تجد ما يخص كلاً منهما سوى دور العبادة والمقابر، وحتى هذين المكانين تجمع المسلمين والمسيحيين بهما مشاهد مشتركة لتبادل المجاملات فى الأفراح أو أداء واجب العزاء.

يواجه المسلمون والمسيحيون الحياة بأفراحها وأحزانها، والوطن بانكساراته وانتصاراته، والعيش المشترك بسلبياته وإيجابياته، كما اختلطت دماء المسيحيين بدماء إخوتهم المسلمين فى جميع الحروب ومن أبرزها حرب أكتوبر 1973.

اللورد "كرومر" أرسل ذات مرة إلى حكومته واصفاً المصريين: "لم أجد فى مصر غير مصريين بعضهم يذهب إلى المساجد، وبعضهم يذهب إلى الكنائس"، وبالفعل احتشد الأقباط والمسلمون ضد الاحتلال البريطانى، وافشلوا سياسة "فرق تسد" التى تبناها الاستعمار الإنجليزى، فالبابا كيرلس الخامس رفض مقابلة "لورد كتشنر" وهو على باب البطريركية، كما أن الأقباط اجتمعوا فى الكنيسة المرقسية الكبرى برئاسة "القمص باسيليوس"، وكيل المطرانية، لمطالبة رئيس الوزراء القبطى "يوسف وهبه" بالاستقالة وعدم التعاون مع لجنة "ملنر".

تجلى ذلك قبلاً فى ثورة 1919 والتى كان شعارها "الدين لله والوطن للجميع"، وعندما صدرت أحكام الإعدام من سلطات الاحتلال البريطانى كان من بينهم أربعة من الأقباط: ويصا واصف، ومرقص حنا، وواصف بطرس غالى، وجورج خياط. كان من بين خطباء ثورة 1919 "القمص سرجيوس" الذى ألقى خطبة فى الأزهر مع الشيخ "مصطفى القاياتى" فى مشاهد مصرية وطنية بديعة رصدتها حركة الحياة وعيون التاريخ.

إنه مبدأ وطنى وكنسى ثابت أن يرفض الأقباط دائماً التدخلات الخارجية، ودعاوى الحماية، ومؤتمرات الأقليات، وعروض الكونجرس الأمريكى، والمسألة لديهم لها جذورها التاريخية فمنذ البابا بطرس الجاولى الذى كان معاصراً لمحمد على وولده إبراهيم، حيث رفض البابا بطرس الجاولى عرض الإمبراطورية الروسية بحماية "قيصر روسيا" للأقباط، ووجه البابا للسفير الذى أتى إليه بهذا العرض سؤالاً: "هل قيصر روسيا يموت أم يعيش إلى الأبد؟" فأجابه: "هو يموت طبعاً مثل كل بنى البشر"، فأجابه البابا بعبارته الشهيرة: "نحن فى حمى من لا يموت". كما يعد قداسة البابا شنودة الثالث، بابا العرب، من الشخصيات الوطنية البارزة لمواقفه الواضحة والمشرفة ورفضه للتطبيع مع إسرائيل، ومنعه زيارة المسيحيين للأراضى المقدسة المسيحية، إلا بعد أن تعود حقوق الفلسطينيين إليهم.

إن المعرفة بالآخر وهى احتياج إنسانى تحتاج قدراً من التعايش والانفتاح، وهو أمر متحقق بالفعل فى الحياة الاجتماعية والوطنية المصرية، وانعكس أيضاً على دستور البلاد الذى يقر مبدأ "المواطنة" التى تحمى الوطن من الاتجار بالدين، واستغلاله فى زرع الفتن، وتؤمن الناس على مستقبل أوطانهم، وعدم تعرضه لتجارب الدول المحيطة.

أما من الناحية التعليمية فالأمر يحتاج إلى مزيد من التركيز على تلك الخصيصة الوطنية الهامة ضمن ملف خاص لشأن الوحدة الوطنية بوجه عام والتى هى خط الدفاع المجتمعى المصرى الأول لحماية أمنها القوما. إن المصرى عندما يعامل أخيه فى الوطن برحمة ولطف يفعل ذلك بدافع ذاتى نابع من جذوره الحضارية التى تحثه على ذلك، كأثر واضح وظاهر فى حياته الاجتماعية على أصوله الحضارية التى تثمن التعاملات الإنسانية الراقية، وتقدر الحريات الدينية، وربما يكون البعض بفعل بعض ما يتنامى إلى مسامعهم متشككين فيما يفعلون، ولا يفعلون ذلك بناءً على تعليم تلقنوه أو أسس ثابتة تكرس لثقافة التعايش.

على سبيل المثال أسمع من والدى كيف أنه وأقرب أصدقائه كان قد أهدى كلاً منهما الآخر فى سن مراهقتيهما إنجيلاً وقرآناً، أهدى المسلم للمسيحى إنجيلاً، وأهدى المسيحى للمسلم قرآناً. هذا دليل على أن كليهما كانا يحترمان اختلافاتهما. احترام الاختلاف جعل كلاً منهما يهتم بخصوصيات الآخر الدينية ويعرف أين يباع الكتاب المقدس ويحرص على شرائه، وأين يُشترى القرآن الكريم ويهم بشراء نسخة لصاحبه.

لكن نفس هذا الوطن يتعرض بين الحين والآخر لتيارات فكرية طائفية هدامة ينبغى وأدها فى مهدها وإلا عصفت بحاضر ومستقبل الوطن، مثل منع تهنئة المسيحيين بأعيادهم. فالأمر يشبه على سبيل المثال أن يمتنع خريجو كلية الهندسة عن تهنئة خريجى كلية الطب بالنجاح نظراً لاختلاف المقررات الدراسية، وكأن تلك التيارات تريد أن تأخذ المصريين إلى دوامات من اللامنطق واللاتسامح.

إذاً المواطنة وأساسها الوحدة الوطنية تمر بمرحلة مراهقة فكرية، ولكن المراهقة تسبق النضوج وليس العكس، فالمجتمع كان أكثر نضوجاً قبل ذلك. معنى ذلك أن هناك "ردة حضارية" وأن سلوكيات المجتمع تتراجع وتتقهقر.

فإلى جانب أهمية دورى الأسرة والإعلام، يظل دور التعليم أساسياً وراسخاً. فمع ذيوع عزل العناصر المتطرفة فى بعض القطاعات، ينبغى التأكد من منع تعيينهم من الأساس فى سلك "التدريس" فسيكون هذا هو اللبنة الأولى فى محاربة التطرف. كما يجب أن تنص المناهج الدراسية على تنمية التصرفات الإيجابية التى تكرس للوحدة الوطنية، والسلوكيات المصرية المحببة والمحفزة ومن أبرزها وجوب تهنئة الآخرين بأعيادهم المعروفة مثل عيدى الميلاد والقيامة لدى المسيحيين، وعيدى الفطر والأضحى لدى المسلمين.

أمر آخر هام مبنى على أساس أن الجهل بالآخر يشكل أرضية مجهزة للعداء، فبعض المصريين الذين لم يتسنَّ لهم مقابلة مسيحيين فى سنى حياتهم الأولى، وخصوصاً فى بعض القرى، شبوا على أن يظل الآخر مجهولاً بالنسبة إليهم، هذا الآخر الذى يدين بالمسيحية، دين الغرب. لذلك لابد أن يدرس الجميع فى مناهج التاريخ، التى تتجاهل نحو 700 سنة من التاريخ القبطى وتلخصها فى ثلاث أسطر فقط، أن التاريخ القبطى يبدأ بعصر الشهداء والذى بدايته منذ تولى الإمبراطور "دقلديانوس" الحكم فى 284 م وحتى الآن، ويقدر عدد من ماتوا بالتعذيب من المسيحيين فى عصر الشهداء بحوالى مليونى مسيحى، وحتى بعد أن اعتنق الإمبراطور الرومانى "قسطنطين" المسيحية كان اضطهاد الرومان للمصريين لا يقل ضراوة عما سبق، فقد أخذ الرومان فى ذبح المسيحيين وقتلهم داخل كنائسهم، ومع ذلك ظلت الكنيسة ثابتة على عقيدتها الأرثوذكسية المستقيمة والشامخة.

ويكفى إلقاء مزيد من الضوء فى المناهج الدراسية على الدور المجيد الذى لعبته الكنيسة المصرية القبطية فى الحفاظ على الشخصية المصرية فى مواجهة الضغوط والاضطهادات الغربية، وسيدرك الجميع الجانب الوطنى وليس فقط الجانب الدينى لقديسى وشهداء الكنيسة القبطية مثل مارمرقس، والقديسة دميانة، ومارمينا، والبابا أثناسيوس.

التغييرات المرجوة فى المناهج التعليمية سيكون هدفها تعميق الوحدة الوطنية وأن يرى كلاً من المسيحى والمسلم نفسه فى الآخر وليس غريباً عنه، فهذا هو أنا نفسى المصرى لو كنت مسلماً، وهذا هو أنا المصرى لو كنت مسيحياً، سيرى كل منهما فى الآخر نفسه ويقول بداخله مهما اختلفت الأديان: إنه أيضاً "أنا".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز