سلط الكاتب هاني لبيب، رئيس تحرير موقع "مبتدا"، خلال حلقة جديدة من برنامجه "نقطة ومن أول السطر"، الضوء على الدليل الذكوري للتحرش عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وبدأ هاني لبيب، حديثه قائلا: "يبدأ الأمر بإعجاب عابر (Like) أو تفاعل بقلب (Heart)، تليها تحيات الصباح والمساء، والتهاني المعتادة بيومي الجمعة والأحد، ثم يتطور المشهد إلى مشاركة آية قرآنية أو مقتبس مأثور، لينتهي المطاف في غياهب "الرسائل الخاصة". هذا التسلسل ليس نمطاً عشوائياً، بل هو الخريطة الكلاسيكية لما يمكن تسميته بـ "الدليل الذكوري للتحرش عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، والذي يتصاعد تدريجياً ليتجاوز التعليقات العامة إلى التعبيرات الخاصة، لاسيما إذا تضمن المنشور صورة شخصية لصاحبة الحساب".
آليات "الترجمة الذكورية" للمنشورات
وتابع: "تمتلك الثقافة الذكورية قدرة فائقة على استغلال أي محتوى تنشره المرأة، بغض النظر عن عمرها أو مكانتها، وتحويله إلى مدخل لفتح حوار جانبي. وفي الوقت الذي تختار فيه المرأة كلماتها وصورها لتعبر عن وجهة نظرها وشخصيتها بكامل حريتها، تقوم العقلية الذكورية "بإعادة ترجمة" هذا المحتوى وتأويله، بحثاً عن ثغرة ينفذ من خلالها إلى مساحتها الشخصية".
وأشار إلى أن هذه الآلية تتجلى في تعليقات غريبة تحمل طابعاً مزدوجاً؛ حيث يلجأ بعضهم إلى استخدام "تعبيرات مركبة" ذات إيحاءات مبطنة، من قبيل الإشادة بـ "الإطلالة الرقيقة" أو "الابتسامة المشرقة". وفي مقابل هذا الأسلوب، يبرز "المدخل الإيماني" كحيلة أخرى، حيث تُغلّف العبارات بالدعاء بـ "صلاح القلب" أو الإشادة بـ "نعمة القبول". كل هذه الصياغات لا علاقة لها بالمحتوى الأصلي، بل هي مجرد شباك تُنسج بدقة لمحاصرة المرأة وتطويقها.
فخ "حسن النية" والباب الموارب
وغالباً ما تجد النساء أنفسهن في مرمى هذه العقلية، حيث يُخاطبن بلغة قد يُفسرنها بحسن نية في البداية، بينما هي في عمقها لغة تحرشية تتجاوز حدود الأدب واللياقة، وهنا تكمن الخطورة في محاولة "إثبات الذات" أو الرد بغرور وتحدٍ على هذه الممارسات؛ إذ ترى العقلية الذكورية في هذا التفاعل — حتى وإن كان رافضاً — بمثابة "الباب الموارب" الذي يسمح بالدخول من منافذ أخرى، كحديث عن اهتمامات مشتركة أو هوايات تفضلها المرأة. علاوة على ذلك، فإن ترك هذا الباب موارباً يمنح، دون قصد، "رخصة ضضمنية" لمتحرشين آخرين للتسلل إلى صندوق الرسائل الخاصة (Inbox) وتكرار النمط ذاته.
تصنيفات المتحرشين.. "الحرباء" والمؤمن والوقور
وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب وعياً بـ "سيكولوجية المتحرش الرقمي" الذي يتشكل في أنماط عدة؛ فهناك "المتحرش وقور السن" الذي يستغل شيبته لإضفاء طابع من الأمان الزائف، و"المتحرش المؤمن" الذي يتخذ من الدين ستاراً، و"متحرش حرباء النمر"، وهو الأخطر، لقدرته الفائقة على تلوين مواقفه، وتغيير ألفاظه، وإعادة صياغة اتجاهاته — وربما شكله ومظهره الرقمي — ليتناسب مع اهتمامات الضحية المستهدفة حتى يصل إليها.
ختاماً.. لستِ ساحة للتجربة
نقطة ومن أول السطر؛ سواء كنتِ مثقفة، كاتبة، روائية، سيدة مجتمع، داعية، أو شخصية عامة، فإن مكانتكِ لا تعفيكِ من أن تكوني هدفاً مستهدفاً لهذه العقلية.
إن الوعي الحقيقي يبدأ من إدراك حقيقة واضحة: أنتِ لستِ حقل تجارب لعقد نفسية، ولستِ سلعة معروضة للاستهلاك الرقمي وفقاً لظروف الزمان والمكان.
حماية المساحة الشخصية على الفضاء الأزرق تبدأ من الحسم، وإغلاق الأبواب المواربة، وتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية دون مجاملة أو حسن نية مفرطة.