تخيل أنك تستقل سيارتك وتنعم بتكييفها البارد، أو تفتح مبردك المنزلي لتناول مياه منعشة، دون أن تدري أن هذه الرفاهية اليومية كادت في وقت ما أن تمحو الحياة تمامًا عن وجه كوكب الأرض! خلف هذه المفارقة المرعبة يقف اسم مهندس ومخترع أمريكي واحد، فتح للبشرية طاقة من الراحة، لكنه زرع في قلبها قنبلة موقوتة سممت الهواء لعقود.
هذه هي قصة توماس ميدجلي، الرجل الذي يوصف في التاريخ الحديث بأنه "أكثر كائن حي ألحق ضررًا بالغلاف الجوي للأرض".
وقال محمد جاد الله، خلال برنامج "سيرة ومسيرة"، عبر موقع "مبتدا"، إنه في عشرينيات القرن الماضي، كانت صناعة السيارات الناشئة تواجه أزمة تقنية كبرى؛ حيث كانت المحركات تعاني من مشكلة "الخبط" والاهتزاز الشديد الذي يؤدي إلى تدميرها سريعا وتقليل كفاءتها.
هنا ظهر تدخل المهندس الكيميائي توماس ميدجلي، الذي نجح في ابتكار حل سحري عبر إضافة مادة "رباعي إيثيل الرصاص" إلى البنزين، وفجأة، تحولت السيارات إلى مركبات سريعة، ناعمة، وهادئة، مما أدى إلى طفرة وانفجار غير مسبوق في قطاع النقل بأمريكا والعالم بأسره.
لم يتوقف طموح ميدجلي عند قطاع السيارات؛ ففي ذلك الوقت، كانت أجهزة التبريد والثلاجات البدائية تعتمد على غازات سامة وقابلة للاشتعال بشدة، مما كان يهدد حياة الملايين داخل بيوتهم.
أجرى ميدجلي أبحاثه ليتوصل إلى ابتكار غاز "الكلوروفلوروكربون" الشهير تجاريًا باسم "الفريون"؛ وهو غاز خامل، غير قابل للاشتعال، وبدا وقتها آمنًا تمامًا على صحة البشر، بفضل هذين الاختراعين، تحول ميدجلي إلى "بطل قومي" في الولايات المتحدة، وتُوج بأرفع الأوسمة والجوائز العالمية في مجال الكيمياء.
لكن خلف ستارة الأرباح المليونية والرفاهية المدنية، كانت هناك حقيقة مرعبة تخفيها الشركات الكبرى: الرصاص سم عصبي خطير، بطيء وقاتل.
ولتبديد مخاوف الرأي العام والتشكيك في التقارير الطبية التي بدأت تحذر من خطورة الرصاص، عقد ميدجلي مؤتمرًا صحفيًا شهيرًا، وقام بحركة استعراضية جريئة؛ حيث سكب مادة رباعي إيثيل الرصاص على يديه، واستنشق أبخرتها بعمق لمدة دقيقة كاملة أمام الصحفيين، مؤكدًا أن المادة آمنة تمامًا.
ولم تمر سوى أيام قليلة على هذا الاستعراض، حتى دفع العبقري الأمريكي الثمن غاليًا؛ حيث أصيب بتسمم حاد وخفي في دمه، مما أجبره على الاختفاء سرًا والسفر إلى ولاية فلوريدا لقضاء فترة علاج طويلة بعيدًا عن الأضواء، تاركًا خلفه كوكبًا بأسره يتنفس سمومًا صنعتها يداه.